.
.
.
.

تعديل الدستور

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

جيد أن يتذكر رئيس مجلس النواب أخيراً أن هناك استحقاقاً دستورياً تعتّق أكثر مما ينبغي ويتعيّن الوفاء به في الحال، فأنْ تتذكر خيرٌ من ألا تتذكر أبداً ويبقى كل شيء طي النسيان وتكون عاقبة النسيان إزهاق مئات آلاف الآرواح واتلاف ممتلكات لا تُقدّر قيمتها بثمن.

لمناسبة يوم كتابة الدستور العراقي الجديد منذ عشر سنوات، دعا رئيس المجلس سليم الجبوري، في كلمة له أمام المجلس أمس، لإعادة النظر في الدستور، قائلاً "ندعو أيضاً الى تفعيل لجنة تعديل الدستور وتغيير فقراته بما يتماشى مع طموحات الشعب".

هذا كلام جيد، فالدستور كان قد كُتب على عجل انطلاقاً من فكرة تبدّى لاحقاً أنها لم تكن سليمة، هي أن من شأن تشريع دستور جديد ومن ثم إجراء انتخابات برلمانية تخفيف حدة التوتر السياسي في البلاد ومواجهة الإرهاب الذي شرعت به فلول النظام السابق.

الذين كتبوا الدستور، وهم سياسيون متخاصمون، صاغوا وثيقة كانت معبأة بالألغام التي مالبثت أن تفجّرت وزادت من حدة الصراع السياسي وأثارت نزاعاً طائفياً تحوّل إلى حرب أهلية طائفية مهلكة ومدمرة بفعل نظام وضعه أمراء السياسة والحرب، هو نظام المحاصصة الطائفية والقومية والحزبية، بديلاً عن النظام الذي نصّ عليه الدستور. في البداية قالوا إن نظام المحاصصة ترتيب مؤقت لا يُعتمد لأكثر من دورة برلمانية واحدة في سبيل "تطمين الطرف الآخر" (السنة)، لكن هذا النظام تحوّل الى دستور مواز، بل كانت لأحكامه العلوية على أحكام الدستور، حتى انتهى بنا المطاف إلى أن يقول البعض أن نظام المحاصصة صار "أمراً واقعاً"!

ولأنهم كانوا يعرفون أن الدستور الذي صاغوه كان مرتبكاً وملغوماً فقد ختموه بمادة ألزمت بأن يشكل مجلس النواب (الأول الذي انتخب مطلع 2006) في بداية عمله لجنة من أعضائه "مهمتها تقديم تقرير الى مجلس النواب، خلال مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، يتضمن توصية بالتعديلات الضرورية التي يمكن إجراؤها على الدستور"، على أن "تُعرض التعديلات المقترحة من قبل اللجنة دفعة واحدة على مجلس النواب للتصويت عليها"، وأن "تُطرح المواد المُعدّلة من قبل مجلس النواب على الشعب للاستفتاء عليها، خلال مدة لا تزيد على شهرين من تاريخ إقرار التعديل في مجلس النواب". وكان من المفترض أن تنتهي كل الترتيبات المتعلقة بأحكالم تلك المادة، بما فيها إجراء الاستفتاء العام على المواد المُعدّلة، بنهاية 2006 أو مطلع 2007، لكن ذلك لم يحصل برغم أن المجلس قد شكّل في الموعد اللجنة المعنية التي أعدّت بدورها في الموعد المحدد المواد المعدلة، وعددها 50 مادة. ذلك العمل ظل حبيساً في أدراج المجلس المعتمة حتى اليوم أو أُلقيت أوراقه في سلال المهملات لتُضاف الى آلاف أطنان النفايات التي تطمر شوارع بغداد وأرصفتها وساحاتها وأحياءها وضفاف نهرها وحتى حدائقها!

جيد أن يتذكر رئيس مجلس النواب أن الدستور في حاجة الى إعادة النظر في فقراته، وإن لم يُشر في كلمته الى أنه استحقاق متوجب منذ تسع سنوات، لكن غير الجيد أبداً أن يدعو السيد الجبوري الكتل السياسية إلى "ترشيح من تراه مناسباً لتشكيل لجنة النظر في إعادة كتابة الدستور لتقديم الفقرات القابلة للتعديل"!!، فهذا معناه أننا نعود إلى المربع الأول، ذلك ان الكتل السياسية التي عناها رئيس المجلس لن ترى في اختصاصيي القانون الدستوري وعلماء السياسة والاقتصاد والاجتماع مناسبين لتعديل الدستور، وسترشّح عناصر منها قد يكونون جهلة، فيُعاد انتاج الدستور الحالي في صيغة جديدة شكلاً وليس مضموناً.

إذا كان رئيس مجلس النواب مقتنعاً بالحاجة لإعادة صياغة الدستور" بما ينسجم مع تطلعات الشعب"، فليقترح تشكيل لجنة معظم أعضائها من أهل الاختصاص والخبرة والكفاءة من خارج المجلس المُتخم بانصاف المتعلمين.

*نقلاً عن صحيفة "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.