.
.
.
.

حزب الرئيس ضرورة.. ولكن!

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

سألنى أحد الأصدقاء: هل لو كان للرئيس السيسى حزب سياسى كانت الانتخابات باردة فاقدة للحماس كالتى جرت قبل يومين؟ قلت سؤالك وجيه للغاية، ولكنى بادرته بسؤال مضاد: لو أن الرجل كوّن حزباً سياسياً وشارك فى الانتخابات فهل ستكون لدينا تجربة تعددية حزبية كالتى نتحدث عنها كثيراً ونطمح فى يوم ما أن نصل إليها؟

السؤالان افتراضيان ولكنهما يطرحان قضية مهمة، وهى ضرورة أن يكون للرئيس ظهير سياسى وحزبى واضح ومحدد. وأتصور أن الزمن لن يطول كثيراً حتى نجد مثل هذا الحزب موجوداً على أرض الواقع. باختصار المسألة هى مسألة وقت لا أكثر ولا أقل. ولا أدعى أنى أعرف الغيب أو أن لى صلات قوية بدوائر صنع القرار، ولكن أدعى أن أية قراءة واعية للانتخابات البرلمانية فى مرحلتها الأولى وكذلك فى مرحلتها الثانية، التى لن تختلف كثيراً عما جرى فى المرحلة الأولى، تؤكد بكل قوة أن الحياة الحزبية بحاجة إلى دماء مؤسسية جديدة، وأن الخريطة الحزبية الراهنة بأحزابها القديمة والجديدة على السواء ليست قادرة على تقديم حزب حقيقى له ظهير اجتماعى وشعبى يقود هذه الأمة التى تشابهت عليها الأمور، وأدخلت الناخبين كما رأينا فى مواقف كثير من البسطاء فى دوامة بائسة حول من ينتخبون وهم لا يعرفون أحداً من المرشحين لاسيما الجدد منهم، فى وقت يرفضون فيه الوجوه القديمة وتلك المحسوبة على التيار الدينى معاً. فى الوقت نفسه كان الناخبون الذين أدلوا بأصواتهم قد اختاروا بيسر شديد إحدى القوائم المتنافسة. وهنا تبدو المفارقة الكبرى، فالناخبون فضلوا القائمة وهم ليسوا بالضرورة عارفين بكل أعضائها، فقط يعرفون الخطوط العامة التى تميز هذه القائمة عن تلك، فى حين ترددوا وارتبكوا عند اختيار المرشحين الأفراد. فضلاً عن أن اختيار قائمة فى لحظة التصويت هو أكثر يُسراً من اختيار مرشحَيْن أو ثلاثة من قائمة طويلة من الأسماء والرموز التى قد لا تعنى شيئاً بالنسبة للناخب.

الأمر على هذا النحو يعنى ببساطة أن الناخبين باتوا أو اقتربوا أن يكونوا مؤهلين للتمييز بين أطر فكرية وسياسية تقودها وتعبر عنها شخصيات يثقون فيها ويحترمون تاريخها وعطاءها. وتلك بدورها خطوة إيجابية بالمعنى التاريخى وتصب فى تطوير الحياة الحزبية بوجه عام إذا ما أحسنت النخبة السياسية توظيفها وفهم معانيها ودلالاتها. وإذا أطلقنا العنان لأنفسنا قليلاً فقد نصل إلى استنتاج بأن القائمة الفائزة بأعلى النسب قد تشكل خطوة نحو التفكير فى تحويل نفسها إلى حزب سياسى، فإذا كانت القائمة بفكرها ورموزها فازت بفعل دعم وتأييد من الناخبين، فمن اليسير أن تتحول إلى مؤسسة حزبية تناضل وتنافس من أجل تحويل دعم الناخبين إلى سياسات فعلية من خلال البرلمان ومن خلال العمل الحكومى معاً.

نحن جميعاً متفقون على أن هناك فراغاً حزبياً تعيشه مصر. وهذا الأمر يُمثل خطراً كبيراً على مستقبل التحول الديمقراطى، إذ لا ديمقراطية بدون أحزاب قوية، ولا ديمقراطية بدون مشاركة الناخبين مشاركة إيجابية من خلال الأحزاب. وبالرغم من كثرة الأحزاب فقد تبين للجميع أن قدرتها على تعبئة الناخبين للمشاركة فى التصويت هى قدرة محدودة للغاية. وللقارئ الحق هنا أن يسأل ما علاقة ما سبق بضرورة أن يكون للرئيس حزب سياسى؟. وهنا نفرق بين مستويين؛ الأول أن يتشكل حزب سياسى من خلال القائمة الفائزة بالصورة التى سبق الإشارة إليها، وأن يكون من بين مبادئ الحزب الجديد أن يدعم سياسات الرئيس وأن يشاركه مسئولية عملية التحول السياسى والاقتصادى فى البلاد، وأن يقبل الرئيس ذلك ويرى فى كوادره معيناً له يستفيد بهم فى المستويات القيادية المختلفة.

أما المستوى الثانى فهو أن يبادر الرئيس نفسه بالإعلان عن تشكيل حزب ويعلن عن مبادئه ويفتح الباب أمام من يريد الانضمام إلى هذا الكيان الحزبى الجديد. وهذه الحالة تذكرنا قطعاً بما فعله الرئيس أنور السادات حين أعلن عن تشكيل الحزب الوطنى، وحينها تركت شخصيات وكوادر حزبية كانت منتمية إلى أحزاب أخرى وفضلت عضوية الحزب الذى يرأسه الرئيس. وباقى قصة الحزب الوطنى معروفة للجميع. وأظن، وبعض الظن إثم وبعضه الآخر ليس كذلك، أن هذه الخبرة موجودة فى إدراك الرئيس السيسى ولا يريد أن يكررها بأى شكل كان، وأنه لو فعل ذلك فى فترة مبكرة لقيل إن الرجل يريد أن يحتكر كل شىء، وأنه قضى بذلك على الحياة الحزبية تماماً، ويمهد لحياة شمولية أو سلطوية يقبع على قمتها، ولم يكن أحد سيصدق أن سلوكيات الحزب الوطنى قد انتهت تماماً لاسيما ما يتعلق بانحياز الحكومة وأجهزة الإدارة المحلية ومؤسسات الدولة المختلفة للحزب الذى يرأسه الرئيس، وهو ما رأينا عكسه تماماً فى المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية. ناهيك أن المعارضة رغم اختلاف مصادرها ومرجعياتها كانت ستجدها فرصة للتحرك الجماعى ضد الرئيس وحزبه، وتدخل البلاد فى دوامة النهاية قبل أن تبدأ حركة البناء المطلوبة والمنتظرة من كل مصرى.

وربما نضيف أيضاً أن هناك من قدم رأياً للرئيس السيسى بأن الأفضل هو أن يكون المجتمع كله أو غالبيته الساحقة بأحزابه ومؤسساته الطوعية بمثابة الظهير السياسى والمجتمعى له، وبذلك يتجاوز فكرة الحزب مهما كان قوياً وطيعاً. وهى النصيحة أو الرأى الذى ثبت أنه غير واقعى، لأن الحياة السياسية فى مصر متنوعة التيارات والأفكار ولا تقبل إطلاقاً أن تنحصر فى قالب سياسى واحد مهما كانت شعبية قائده وزعيمه.

هذه التحفظات الجوهرية التى ربما دفعت الرئيس السيسى إلى عدم المبادرة بتشكيل حزب قد يعيد ذكريات الحزب الوطنى المنحل ويضر بالتطور السياسى لمصر، يمكن القول بأن دورها قد انتهى، فالانتخابات جرت بعيداً عن تدخلات الحكومة ولن يكون بمقدور أى حكومة تالية أن تناهض هذا المكسب الديمقراطى المهم، وثانياً أن فكرة أن حزب الرئيس فى مرحلة سابقة قد يضر بالحياة الحزبية أصبحت غير عملية، فالأحزاب جميعها أعطيت الفرصة لكى تخرج إلى النور وأن تتفاعل كل حسب قدرته مع المجتمع بدون قيود، ولا يمكن القول إن ضعف هذه الأحزاب راجع إلى حزب قوى يرأسه الرئيس. وفى ضوء هذه المعطيات أتصور أن خيار تحول قائمة حصلت على دعم شعبى مشهود إلى نواة حزب يدعم الرئيس دون أن يرأسه الرئيس يبدو خياراً عملياً وطبيعياً وتحتاجه مصر بشدة.

*نقلا عن صحيفة "الوطن" المصرية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.