.
.
.
.

«حرب الأفيون» على الطريقة الصينية

أيمن الحماد

نشر في: آخر تحديث:

كإمبراطور صيني دخل الرئيس شي جين بينغ ساحة قصر بكنغهام مستقلاً عربة مذهبة تجرها خيولٌ من الاسطبل الملكي وإلى جواره ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، يعيد التاريخ نفسه هذه المرة لكن بطريقة مختلفة تماماً، فلم يكن يدر بخلد الامبراطور الصيني «دواغوانغ» الذي وقّع معاهدة هزيمته في «حرب الأفيون» مع الملكة البريطانية فيكتوريا، لتسمح بعد ذلك الصين «مرغمة» بدخول البضائع التجارية الأوروبية، وتفتح موانئها أمام شركة الهند الشرقية البريطانية، لم يكن يعلم الإمبراطور أن أحفاده سيدخلون بريطانيا بعد 170 عاماً من معاهدة «نانجينغ» المجحفة من بابها الواسع، لتتوغل رؤوس الأموال الصينية في اقتصاد بريطانيا العظمى التي يقول السفير الصيني هناك إنها بحاجة للاستثمارات الصينية.

يريد البريطانيون أن تكون زيارة الزعيم الصيني إلى بلادهم بداية لمرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية بين بكين ولندن، ويأملون في الوقت نفسه أن تكون بداية لعصر ذهبي بين البلدين، كما يقول ذلك المسؤولون في العاصمة البريطانية.

هكذا إذن يبدو أن الأمور تؤول بشكل مذهل للصينيين الذين استطاعوا أن ينسلوا بسلاسة في دول كثيرة حول العالم دون أن تسيل قطرة دم واحدة، فلا حروب لأجل التجارة، هذه القاعدة تؤتي ثمارها بالنسبة للصينيين الذين فضلوا القدوم وقد تأبطوا استثماراتهم، في حين فضل آخرون القدوم بدباباتهم، والنتيجة تبدو واضحة فلا إرهاق سياسياً يعانون أو كراهية يجنيها الصينيون من تدخلهم، حتى تلك الدول التي لديها إرث استعماري فرنسي أو بريطاني، استطاع الصينيون التوغل فيها وترسيخ تواجدهم عبر الدخول في شراكات تجارية واضحة والمشاركة في تنميتها، ولاشك أن تلك فلسفة الصين اليوم التي يجدر بها المحافظة عليها، وأن لا تستسلم لجشع التجار الذين يبدو أن بعضهم يأمل في الحصول على منافع مالية بغض النظر عن أي أخطار قد تلحق بهذه الدولة أو تلك وهو ما يضر بسمعة بكين ويعطي الغرب ذريعة لاستخدام مصطلح الاستعمار الصيني على التوسع الاقتصادي الذي تقوم به في عدة قارات، لاسيما في أفريقيا.

استطاع الصينيون الاحتفاظ بحسهم التجاري والاقتصادي منذ أسلافهم، فمن الصين شق التجار طريق الحرير نحو العالم حتى اندثر هذا الطريق، ومنها يعيدون ويحاولون إحياءه، إن ما يأمله البريطانيون في علاقتهم مع الصين أن تكون بداية لعصر ذهبي هو في الحقيقة اليوم واقع صيني.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.