.
.
.
.

أحزابنا المريضة.. عالجوها لا تقتلوها

عمار علي حسن

نشر في: آخر تحديث:

هل الأحزاب السياسية فى بلادنا مريضة؟ الإجابة: نعم.

وهل تترك الأحزاب هكذا حتى تموت؟ الإجابة: لا.

مريضة، والدليل ما جرى فى الانتخابات البرلمانية السارية والجارية، فمرشحو الأحزاب بلغوا نصف أمثالهم من المستقلين، أما من نجحوا منها أو دخلوا جولة الإعادة فأقل من هذا بكثير.

نعالجها واجب والدليل هو نسبة المشاركة فى الانتخابات، إذ لو كانت لدينا أحزاب قوية، كان بوسعها أن تصنع برامج سياسية متنافسة، وبدائل متعددة، فتجذب الناس إلى السياسة، ومن ثم إلى الانتخابات.

فى ضوء هذا هناك فرق واسع وشاسع بين نقد الأحزاب ونقضها. فالنقد واجب لأنه يروم تصويب الخطأ، وتصحيح المسار. أما النقض فأمر مكروه، لأنه يريد قتل الأحزاب، وبالتالى موت السياسة، بما يجعل الأمر فى قبضة شخص واحد، أو جهة واحدة.

وفى النقد نقول بوضوح إن أحزابنا ضعفت أو أنهكت بسبب خمسة عوامل، يمكن ذكرها على النحو التالى:

1 ـ صناعة الأحزاب على عين السلطة: فتلك الأحزاب فى أصلها نتاج تجربة المنابر التى أطلقها الرئيس الراحل أنور السادات فى عام 1976، يمين ووسط ويسار، ولذا بدأت فى كنف السلطة، لتؤدى دورا مرسوما لها بعناية، كزينة للحكم، تضفى عليه طابعا تعدديا شكليا. وكل حزب أراد فيما بعد أن يتمرد على هذه الصيغة المعوجة، تم ضربه من الداخل، وتضييق الخناق عليه حتى يعود إلى الحيز المرسوم صاغرا.

وقد اخترعت السلطة طيلة عهد مبارك صيغة تضمن بقاء هذه المعادلة سمتها «لجنة الأحزاب» والتى كانت لا توافق على قيام حزب جديد إلا إذا ضمنت أن من يقودونه موالون للسلطة، وأن برنامجه فى نطاق المقبول منها. وحتى الحزب الذى أعاد ترتيب صفوفه خارج هذه الصيغة، مستندا إلى حكم قضائى، وهو حزب الوفد، سرعان ما انضوى تحت لوائها، تدريجيا، بعد رحيل فؤاد سراج الدين، لتندلع ثورة يناير، وهو ليس استثناء مما وصم الحياة الحزبية برمتها.

2 ـ تدخل أجهزة الأمن فى التجربة الحزبية: فكل حزب أراد أن يطرح نفسه بديلا حقيقيا للحزب الحاكم (الحزب الوطنى الديمقراطى) عبثت فيه أيدى أجهزة الأمن، وقامت بتأليب بعض قياداته على بعض، فانقسم إلى أجنحة متصارعة، كما أطلقت الشائعات حوله بما صنع له صورة سلبية فى أذهان عموم الناس، واستغلت قانون الطوارئ فى حجب الحزبيين النشطين عن الجمهور. ولم تتركه هذه الأجهزة إلا وهو ضعيف مترنح، لا حول له ولا طول، موقنا بعد مجاهدة وتجريب أنه ليس بإمكانه سوى الخضوع لما هو محدد ومقدر له بعناية.

3 ـ غياب الديمقراطية الداخلية: فشمولية نظامى السادات ومبارك واستبدادهما تسربا إلى معارضيهما الشكليين، فى الغالب الأعم، وكما شاخ من اعتلوا السلطة شاخ قادة الأحزاب، ولم تعقد انتخابات دورية لتجديد دماء قادتها، وإن أجرتها فهى منظر لا جوهر. وهذه الشيخوخة جعلت المفاصل السياسية للأحزاب تتيبس، والرؤى تتكلس، والافتقاد إلى الطموح، والقدرة على التطوير والتغيير، يصير سمة بارزة. وبمرور الوقت انصرفت أجيال متعاقبة عن الانضمام لهذه الأحزاب، إلا قليلا، بما ضيق قواعدها، وأثر سلبا على فاعليتها، ونظرة عموم الناس لها.

4 ـ ضعف الإمكانيات المادية: فهذه الأحزاب ولدت محاصرة ماليا فى ظل التزاوج المستمر بين السلطة والثروة، فأصحاب المال الذين تربوا فى حجر أهل الحكم وراكموا ثرواتهم مما جادت به السلطة عليهم، لم يكن لديهم أدنى استعداد للمساهمة فى الإنفاق على مرشحى المعارضة فى الانتخابات المتعاقبة أو الانضمام إليها، فى المقابل أنفقوا على مرشحى الحزب الحاكم، وانضموا إليه، بل ترشحوا باسمه، وأنفقوا بسخاء شديد.

ولم يكن بوسع أحزاب المعارضة أن تبحث عن بدائل للإنفاق، فى ظل تحكم السلطة فى كل شىء، وقدرتها على تشويه كل شىء. وبالتالى لم تتمكن أحزاب المعارضة من فتح مقار جديدة، والإنفاق على الدعاية لبرامجها.

5 ـ فقدان المصداقية: وهذا مرده إلى سببين، الأول هو ما فعلته هذه الأحزاب بنفسها، حين ارتضت بالفتات المتاح، والعيش فى الهامش البارد، والثانى هو ما تجنت به السلطة على الأحزاب، مستغلة امتلاكها لوسائل الإعلام هى ورجال الأموال الموالين لها، مع كل استحقاق انتخابى بتصويرها بأنها غير مهتمة إلا بجنى مكاسب لقادتها بغض النظر عن المصلحة العامة للبلاد.

لهذا قامت ثورة يناير ليرفع الثوار فى الميادين شعارا دالا ولافتا هو: «لا إخوان ولا أحزاب.. الثورة ثورة شباب» ولو أن أيا من هذه الأحزاب كان قد حافظ على استقلاليته عن نظام مبارك، وقاوم ورتب صفوفه، وفهم أن الحرية تنتزع لا توهب، ودعا هو إلى خروج الناس إلى الشوارع احتجاجا، لوفر على مصر الكثير من الجهد والمال، وهى تتخبط فى طريق البحث عن خلاص، فلا تجده، بعد انقضاض الإخوان المظلمين على الثورة، إلا فى العودة إلى ما يشبه الماضى، أو الماضى، لكن بوجوه جديدة، ليس للحاضر فيه من شىء سوى ما انتزعه الشعب من جعل الإرادة بيده، حتى وهو صامت يتابع وينتظر.

ورغم قيام عشرات الأحزاب بعد الثورة نظرا لرفع القيود عن تكوينها، وانفتاح شهية الناس على المشاركة السياسية، فإن أيا من الأحزاب الجديدة لم تفارق المحطة التى كانت تقف عندها أحزاب ما قبل يناير، إما لاستمرار الثقافة السياسية لمن يتصدرون المشهد السياسى غير معتبرين ولا متعلمين شيئا من الشعب الذى ثار، أو لأن السياق المفعم بالاستبداد ورواسبه لم يغادر بعد إلى غير رجعة، إنما تحور وعاد فى طور جديد.

ولعل ما يبرهن على ذلك هو التشويه المنظم الذى يقوم به بعض الإعلاميين المعروف ارتباطهم بالرئاسة أو بأجهزة الأمن، للأحزاب السياسية، ليس نقدا لها، فهذا مشروع وضرورى، إنما نقض، وهدم، وتفريغ للساحة السياسية أمام جهة واحدة ورجل وحيد.

لكن على الأحزاب السياسية أن تبدأ هى بنقد ذاتها، وتصحيح مسارها، ودمج ما يتوافق منها فى تكتل واحد، لنربح فى النهاية عدة أحزاب كبرى تشكل رافعة لحياتنا السياسية، إذ لا ديمقراطية بلا تعددية، ولا تعددية فى دولة مدنية حديثة بلا أحزاب سياسية تتنافس على السلطة بطريقة علنية وسلمية ومشروعة، وتتداولها بيد الشعب صاحب السيادة.

إن وجود حزب أو أحزاب مدنية قوية هو صمام الأمان لعدم وقوع البلاد مرة أخرى فى يد أى من التنظيمات المتطرفة التى تتخذ من الإسلام أيديولوجيا بغية تحصيل السلطة السياسية والإمكانات الاقتصادية، وهذا ما لا يفهمه أولئك الذين يهاجمون الأحزاب بضراوة، بل يدعون الناس إلى نبذها وهجرانها، وعدم التصويت لها فى الانتخابات، ويحسبون بهذا أنهم يحسنون صنعاً، ولو كانوا يعلمون لأدركوا أن قتل الأحزاب يعنى موت السياسة، وإن وقع هذا فإن من يغتالون السياسة من أجله، وهو رئيس الجمهورية الذى قال عن نفسه- ويا للعجب- إنه ليس سياسيا، هو أول من سيدفع الثمن، ومن قبله، والأهم، سيدفع الوطن الثمن الأكبر، وهذه هى حكمة التاريخ القريب جدا التى لا يريد أن يفهمها من وصلوا إلى السلطة، ويعتقدون أنهم فى غنى عن كل الكيانات والممارسات السياسية بما فيها الأحزاب.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.