.
.
.
.

الابتزاز لن ينجح مع السعودية

سوسن الشاعر

نشر في: آخر تحديث:

يجب ألا يكون لدينا أدنى شك في أن «ملفات حقوق الإنسان» التي تثار في بريطانيا أو في الولايات المتحدة ضد السعودية، يقصد بها بتجرد حقوق الإنسان فحسب، بل دائمًا ما يكون لها مآرب أخرى، يأتي على رأسها «الابتزاز».
الدور جاء اليوم على السعودية بعدما عانت البحرين منذ 2011 من ذات الأوركسترا التي تعزف على وتر الحقوق، ولكل ظرف ملف لقضية ترفع تستغل لتحقيق أهداف سياسية أو تجارية.
إن الوعي المبكر للسعودية للعبة الابتزاز وإعلانها بعدم رضوخها تمثل في ردة الفعل التي فاجأت البريطانيين، فكان تصريح السفير السعودي القوي ومغادرته لندن، تذكيرًا للبريطانيين بحاجتهم للسعوديين مثلما السعودية بحاجة للبريطانيين. المصلحة المشتركة لها استحقاقات مشتركة إن أرادت بريطانيا الحفاظ عليها.
اليوم، تستغل بريطانيا قضية كارل أندريه البريطاني الذي يقضي عقوبة في السجون السعودية، نتيجة اتهامه بالاتجار في الممنوعات رغم أنه ليس أول، ولن يكون آخر، سجين بريطاني يقضي عقوبة خارج دولته، فهناك بريطانيون يقضون عقوبات متنوعة خارج حدود دولتهم، بعد أن خالفوا قوانين الدول التي زاروها أو عملوا فيها، وبعض العقوبات تصل للإعدام. ويختلف موقف الحكومة البريطانية من مواطنيها حسب الدولة التي تعاقبهم، وحسب موقعهم من العقوبة كونهم ضحايا أو مجرمين.
فتناقض المواقف البريطانية تجاه العقوبات الشديدة كالإعدام أو الجلد يتحدد حسب جنسية الضحية، فحين يكون الضحية بريطانيًا والجاني تايلنديًا، فإنها تتغاضى عن العقوبة المشددة، ولا ترى بأسًا من تنفيذ الإعدام، مثلما حدث في تايلند حين حُكم بالإعدام على ويشاي سامكاوايا، وبولي بيست، الصيادين اللذين أُدينا باغتصاب سائحة بريطانية وقتلها عام 2006، وحكم عليهما بالإعدام، حيث لم تلتمس بريطانيا الرأفة لهما، ولم تبحث في ظروفهما أو حالتهما النفسية، كما فعلت مع أكمل الشيخ البريطاني الجنسية الذي أُدين بالاتجار في المخدرات وحكم عليه بالإعدام في الصين عام 2009، بعد أن تجاهلت الصين كل وسائل الضغط والابتزاز الذي مارسته بريطانيا من أجل إلغاء الحكم بالادعاء بأن أكمل يعاني من متاعب نفسية!! كان موقف بريطانيا من عقوبة الإعدام مختلفًا تمامًا.
المفارقة أن «التلغراف»، الصحيفة البريطانية التي لعبت دورًا في الهجوم على الأحكام الصادرة في السعودية، اليوم، فعلت ما في وسعها لتبرير حكم «الإعدام» على ويشاي وبولي التايلنديين الصادر بحقهما حكم الإعدام في عددها في 10 يناير (كانون الثاني) 2006، حيث قابلت أهل الضحية ولعبت على الوتر العاطفي كي لا يكون هناك حاجز نفسي بين البريطانيين ومن سيعدم، حينها لم ترَ «التلغراف» أن الإعدام حكم قاسٍ، والعكس صحيح حين يكون منفذًا في بريطانيا، بغض النظر عن جريمته وتبعاتها وعددهم وقسوة ما جناه عليهم جرمه، فإنها ترَى الإعدام أمرًا بشعًا لا يقوم به إلا البرابرة.
المبدأ لا يتجزأ ولا يتلون وفق الجنسية أو اللون أو العرق أو غيره، المبدأ يفترض أن يكون واحدًا للجميع من دون تمييز، مثلما هناك سجناء سعوديون في السجون البريطانية هناك أيضًا سعوديون في السجون البريطانية، وبين الدولتين اتفاقيات تبادل السجناء، وبينهما أيضًا اتفاقيات للتدريب والتأهيل للسجون، وكان بالإمكان معالجة أي ملف بينهما بالطرق الدبلوماسية المعهودة. بريطانيا تجاوزت تلك الأعراف وألغت اتفاقية تأهيل السجون وصعّدت من لغتها بغرض الابتزاز للإفراج عن كارل أندريه، بعنجهية لم يحسب رئيس حزب العمال جيرمي كوربن حسابًا لها، ولا وزير العدل الذي بذل ما في وسعه لإلغاء اتفاقية التأهيل والتدريب بين الدولتين، فكان ردّ السعودية درسًا لا يقل عن الدرس الصيني عام 2009، بأن السعودية دولة لا تخضع للابتزاز.
وحين تتجاهل بريطانيا هذه الحقائق، وتتجاهل دور السعودية كدولة حليفة في مكافحة الإرهاب، استطاعت من خلال المعلومات الاستخباراتية التي تقدمها لبريطانيا إنقاذ حياة الكثير من البريطانيين، ثم تتجاهل كون السعودية شريكًا تجاريًا مهمًا عقدت معه أيضًا أكبر صفقة طائرات ستخلق المئات من الوظائف للبريطانيين، وتدّعي أنها ألغت هذا كله دفاعًا عن حقوق الإنسان لتتذكر أن الآلاف الذين أنقذتهم السعودية من الإرهاب هم أيضًا لهم حقوق.
وليتذكر جيرمي كوربن الذي يدّعي أنه يهاجم السعودية دفاعًا عن حقوق الإنسان، أن «الاعتذار» عن موت الملايين من العراقيين وتشريدهم بعد مرور اثنتي عشرة سنة لن يجعل من البريطانيين ملائكة رحمة!

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.