العلمنة والأسلمة: شبح أتاتورك ... في فوز أردوغان

فهد سليمان الشقيران
فهد سليمان الشقيران
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

من آخر ما قرأ الزعيم اللبناني وليد جنبلاط كتاب صدر حديثاً بعنوان "سقوط العثمانيين-الحرب العظمى في الشرق الأوسط" ليوجين روجان طبع هذا العام.ومن طالع تصريحاته وإطلالاته الإعلامية الأخيرة سيكتشف مستوى تأثره الشديد بالكتاب. ثناء وحنين للعهد العثماني عبّر عنه زعيم طائفةٍ لطالما حوربت على مدى قرونٍ من السلطنة العثمانية التي اضطهدت الأقليات وانتهكت حقوقها واعتدت على مقدراتها. الزعيم يدرك بالطبع تاريخ الاضطهاد للدروز والأيزيدية والمسيحيين ولايخفى عليه ذلك وهو القارئ الدائم للتاريخ. غير أن هذا الامتنان التاريخي للاضطهاد القديم يعبّر عن مستوى اليأس الذي وصلت إليه النخب السياسية. لا يستحق أن يستعاد تاريخ الدولة العثمانية بكل هذا التقدير وهو التاريخ الفقير على كل المستويات والمتسم بالقمع والإرهاب وتصفية الخصوم ومنازلة الأقليات والتهميش المنظّم لمساحاتٍ شاسعةٍ من مواضع حكمها والهيمنة الاقتصادية الفجّة على الشعوب مما جعلها تاريخيا بلاقيمة تذكر، بل إن تاريخ السلطنة العثمانية هو تاريخ انحطاط وانهيار وتهشيم للقيم والأخلاق.

مع كل حدثٍ تركي تستعاد حكاية العثمانيين الجدد، أو السلاطين، أو الرغبة بعودة تلك الخلافة التي كانت تضطهد الناس بكل مكان وحتى في الجزيرة العربية وتضرم النار على رؤوسهم. تركيا حالياً هي صنيعة مصطفى كمال أتاتورك وليست امتداداً لعثمان بن أرطغل ولا لسليمان القانوني ولا لجلبة تاريخ عبدالحميد الثاني، وسيقسم الرئيس أردوغان على حماية العلمنة التركية، وسيكون من أوليات واجبه حماية قيم أتاتورك، إنه حزبٌ منظّم ومنفّذ ولئن كان امتداده إسلامياً غير أن لحركته تلك حدودها وأنماطها وضوابطها.

فوز حزب العدالة والتنمية هو انتصار للقيم التي بنيت عليها الدولة التركية الحديثة، وانتصار للمجتمع التركي الذي غلّب الجانب المصلحي النفعي البحت على الصيغ الأيديولوجية أو الترميز الشخصي، وليس سراً أن الاقتصاد هو المحرك الأبرز للمجتمعات بممارستها للعملية الديموقراطية، غير أن المرحلة الأردوغانية هذه تشوبها تحدياتٍ كبرى وإن أصرّت تركيا على "الصيغ التوسعية" فإنها ستصاب بالتفسّخ والترهّل.

إن الموقع "الجيوستراتيجي" لتركيا كونها ملتقى آسيا وأوروبا وصلة الوصل بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود من خلال مضيقي البسفور والدردنيل جعل منها دولة أوروبية ومتوسطية وشرق أوسطية، وهذا يمكّنها من لعب دورٍ متوازن تجاه الأزمات في المنطقة وإدارة المصالح غير أن الخطر في تحويل الدور المتوازن إلى جهد توسعي في منطقة الشرق الأوسط.
السياسة الخارجية التركية بعد حرب الخليج 1991 وانهيار الاتحاد السوفيتي بدأت تتجه صوب الجنوب والخليج بخاصةٍ وبدت فعالية هذا الاتجاه بالمشاركة في حرب تحرير الكويت، كما أن حزب العدالة والتنمية كسر عزلةً تاريخية كانت عليها تركيا تجاه المنطقة طوال ثمانين عاماً، لكن لن تقبل المجتمعات الخليجية والعربية بهيمنةٍ تركية ليس لها أي مضمونٍ ثقافي خاص، أو بتكرير موروث عثماني متهالك فقير يعادي الحداثة ويجترّ هياكل التاريخ الواهم من سلطنةٍ كانت مريضةً بالأساس.

يفوز أردوغان بالانتخابات وقد تحوّل مسار الملف السوري إلى غير الرؤية التركية، كما أن داعش تعيش حالاً من الانتعاش والتمدد الاستثنائي على مقربةٍ منه، هذا فضلاً عن التفاهم الغربي الإيراني الذي سيخفف من حظوظ انطلاق يد تركيا في مناطق الاضطراب، ولن يكون بالمقدور استعادة كامل الثقة مع الدول التي واجهها حزب العدالة والتنمية بآثار سقوط الإخوان المسلمين في مصر، لقد سادت رؤية لدى البعض خلاصتها أن تركيا يمكنها الحدّ من التدخل الإيراني انطلاقاً من الشراكة المذهبية بين دول الخليج وتركيا، واتكاءً على الثقة المبذولة تجاهها، هذا بالإضافة لكون تركيا ليست لديها "الأطماع" بالمعنى العام للكلمة في دول الخليج بالإضافة للموقع الحيوي لتركيا كونها ضمن حلف الناتو وذات حضور اقتصادي مهم، غير أن ذلك الطرح لم يعد قائماً لأن تركيا دخلت طرفاً واصطفّت مع تياراتٍ وأحزاب معادية لدول الخليج وتبخّر ذلك التحليل أو التمني الرغبي الذي تداوله البعض منذ منتصف التسعينات.

ثمة ثرثرة كثيرة في المواقع التفاعلية عن فوز أردوغان وتبعاته من متحمسين كثر. إن نجاح العملية الديموقراطية هو شكل الانتصار للدولة التركية الحديثة. أتاتورك أسس تركيا من الجذر وكل ما بني بعدها هو بناء على إرثه ووفاء له وامتداد معه. كذلك بورقيبة في تونس والذي بقي طيفه حتى بعد التغييرات والاضطرابات لهذا استحقّت مؤسساته الحوارية جائزة نوبل.
أردوغان خرّيج ثانوية الأئمة والخطباء سيخطب بالفعل وسيقسم أمام الأمة التركية بأن يحافظ على العلمانية وعلى القيم الأتاتوركية، لكن البعض لن يصدّق كل ذلك، لأنهم حالمون ... والحالمون يقدّسون الأمس كما قال محمود درويش.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط