قنابل استباقية نسلية للزمن القريب الآتي

فؤاد مطر
فؤاد مطر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

للسنة الستين على التوالي تشكو مصر عهدًا بعد عهد، وحكومات بعد حكومات، من الكابوس المتمثل بزيادة عدد السكان. ومنذ أن بدأت ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 مشاريع تنموية، وهي تصطدم عند تقييم عوائد هذه المشاريع بنتائج محبطة، فتبدأ تبعًا لذلك حملات توعية لتحديد النسل. ولكن لا استجابة، بدليل أن مصر في حالة من تزايُد عدد السكان تهدد أي مشاريع تنموية. وها هي مع حلول عام 2020، يكون بدأ العدَّاد يسجل مليونًا ونصف المليون من المواليد كل سنة تضاف إلى رقم المائة مليون الذي وصلت إليه، مما يعني أن الدولة مطالَبة بتأمين نصف مليار رغيف يوميًا.
من دون اعتماد الحل الذي كان لدى الصيني لا علاج لهذه المعضلة.. هذا مع الأخذ في الاعتبار المسألة الدينية في مصر، حيث لا مجال لفتاوى تجيز للدولة استصدار قرار بطفل واحد لكل زوجين. لكن بالنسبة للابتكار الصيني كانت له سلبيات لجهة أن الدولة تستطيع بقرار فرض صيغة الطفل الواحد، إلا أنها لا قدرة لها على تحديد هذا الطفل ذكرًا هو أو أنثى. وفي هذه الحال، فإن عدم توازن المواليد، بمعنى طغيان عدد الإناث على الذكور يولِّد مشكلات عصية على العلاج، وذلك لأن خطط التنمية تتطلب سواعد رجال، أما النساء فإن دورهن اجتماعي وصحي وتربوي وخدماتي. وعندما حدث تعديل وبات مُجازًا إنجاب طفلين بدل الطفل الواحد، فإن شعورًا بالارتياح غمر نفوس المتزوجين. كما أن للتعديل مبرراته، ذلك أن سلاح الكثافة البشرية ليس ورقة رابحة لدولة مثل الصين أدخلت تعديلات جذرية على نهجها الماركسي، من أجل تحقيق تنمية تنقلها من العالم الثالث إلى العالم الثاني، فاصطفافًا إلى جانب الدولة الأكبر، الولايات المتحدة.
وفي حين تكون تلك هي الحالة المصرية، مقارنة بالحالة الصينية، نجد أمامنا حالة ثالثة تتولى فيها الدولة دعوة الناس وترغيبهم وتحفيزهم ومساعدتهم على الإكثار من الإنجاب. وتشاء الصدف أن ركني الصراع المذهبي الإسلامي، الركن الشيعي المتمثل بإيران، والركن السُني المتمثل بتركيا، يخوضان منذ أن كشف كل من النظامين فيهما عن أحلامه الإمبراطورية، «جهادًا» اجتماعيًا، عنوانه العريض زيادة النسل. وقبل أن يطلع علينا يوم الجمعة 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2015 أحمد داود أوغلو رئيس وزراء تركيا الإردوغانية المتطلعة إلى إحياء الإمبراطورية العثمانية، بدعوة الأتراك وعلى الملأ إلى الإكثار من الإنجاب، كان مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي سبقه إلى ذلك. ومنطلق الفكرة واحد، أي إن خامنئي يتطلع إلى إحياء إمبراطورية فارسية على أرضية المذهب الشيعي، وأوغلو يستبق الأمر برفع منسوب عدد السكان في المحيط السُني الذي تتشكل منه الإمبراطورية العثمانية الإردوغانية المحلوم بها.
الذي قاله أوغلو عبر الفضائية التركية مخاطبًا أنصاره خلال تجمُّع انتخابي: «لديكم عمل وراتب وطعام. ماذا ينقصكم؟ الزوجة. عندما ترغبون في الزواج، تقصدون بدايةً أهلكم، وبإذن الله سيجدون الشخص المثالي لكم. وإذا لم تكن النتيجة كذلك، ما عليكم سوى التوجه إلينا. نريد أن يزداد عدد سكان البلد. للفتيات والفتيان، عند فتح حساب مصرفي تحضيرًا للزواج، ستُضيف الحكومة 20 في المائة من المبلغ الذي أودعه الأهل، من أجل المساعدة». كيف يمكن ألا يحب المرء مثل هذه الحكومة؟
أما الذي أراده المرشد، فكان أكثر من كلمة تقال أمام تجمُّع انتخابي كما فعل أوغلو، وإنما إصدار بيان يوم 14 مايو (أيار) 2014 من 14 مادة تتضمن أوامره إلى السلطات التشريعية والتنفيذية في شأن ضرورة الزيادة السكانية، ومنها: «إن هدفنا هو بلوغ رقم 150 مليون نسمة كحد أدنى. يجب توفير خدمات تأمين لتغطية تكاليف الإنجاب وعلاج العقم لدى الرجال والنساء. رفع العقبات التي تمنع الشباب من الزواج. وتقديم تسهيلات للحوامل وتوفير خدمات التأمين لتغطية تكاليف الإنجاب. وحثّ الإيرانيين المقيمين خارج البلاد على العودة، والقيام باستثمارات في إيران، أي الإنجاب على أرض إيران...».
ومن جملة ما استند إليه المرشد في دعوته بعض الأرقام النسلية الإحصائية التي رُفعت إليه، وتفيد بأن 61 في المائة من العائلات الإيرانية تضم زوجًا وزوجة وولدًا، فيما أن 14.6 في المائة منها تقتصر على زوج وزوجة بلا أطفال، وأن معدل العائلات التي تضم شخصًا واحدًا ارتفع من 5.2 في المائة عام 2006، إلى 7.1 في المائة، وأن هناك 2.5 امرأة تعيل عائلاتها. لكن دعوة المرشد تصطدم بحقائق صادمة، من بينها وفق إقرار رسمي من جانب وزير العمل في حكومة الرئيس روحاني، أن هناك سبعة ملايين إيراني يعيشون في حالة الفقر المدقع، مقابل «أكثر من 5 ملايين شخص غني، وثروة هؤلاء تعادل ثروة بعض الأثرياء في الغرب». كما يشمل الإقرار زيادة 100 في المائة بنسبة إدمان المخدرات بين الأطفال خلال السنوات من 2003 إلى 2014 (أي السنوات الخامنئية - الخاتمية - النجادية)، وأن الفئة العُمرية (بين 15 و19 سنة) تشكِّل نسبة 3 في المائة من المدمنين في إيران. وفي ضوء ذلك، هل المرشد خامنئي بدعوته إلى تنشيط الإنجاب يتطلع إلى جيل جديد غير مدمن يعوِّض إيران واقع الحال المزري اجتماعيًا؟
واللافت أيضًا في أوامر خامنئي إشارته إلى «ضرورة تكوين بؤر سكانية جديدة، خاصة في الجزر وشواطئ الخليج وبحر عُمان».
ويجوز الافتراض هنا أن المرشد خامنئي بإلغائه شعار المرحلة الماضية «الحياة الأفضل في ظل مواليد أقل» لدواعٍ اقتصادية وإمكانات استنزفتها حرب الخميني - صدَّام، يتوقع حروبًا في المنطقة، وأنه يتحسب للأمر سلفًا بحيث لا يصيب إيران ما أصابها خلال الحرب مع العراق، كما أنه في إطار الكثافة السكانية يتطلع إلى تكافؤ سكاني شيعي مقابل الكثافة السُنية لدول ذات حضور في المعادلة السياسية في المنطقة، فضلاً عن الشأن العسكري المتطور حاضرًا والأكثر تطورًا مستقبلاً لكل من مصر وتركيا وباكستان والسعودية، وكيف أن علاقة الأخيرة بالدول الثلاث تجعل إيران تفكر سلفًا باستحداث بؤر سكانية في الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) التي يتواصل احتلالها منذ عهد الشاه، وفي سواحل شواطئ الخليج وبحر عُمان.
إزاء هذه التطلعات الإيرانية والتركية والغرض الإمبراطوري منها، هل تبقى دول مجلس التعاون الخليجي على حجمها بشريًا بالخمسين مليون نسمة، ثلثاها عدد سكان السعودية، أم تخطط لتجمُّع سكاني أكبر.. وبذلك لا تعود التطلعات الإيرانية بمفهوم المرشد خامنئي، والتركية الإردوغانية بمفهوم أوغلو، هي الطاغية.
وقد تبدو هذه المنظومة بديلا لكيان موجود، هو الجامعة العربية. ولكن هل التكتلات المتزايدة على مستوى القارات الخمس بين دول متجانسة هو فكاك لهذه الدول من روابط سياسية دولية أهم؟!

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط