الاتفاق النووي مع إيران قنبلة نووية إنما بوجه آخر

محمد اليحيى
محمد اليحيى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

ثمة اجماع في اوساط المحللين في الشرق الاوسط انه لولا تدخل حزب الله في سوريا بدعم من ايران، لكان نظام بشار الاسد قد انهار في عام ٢٠١٢، ولما برزت ظاهرة داعش بقوتها وشكلها الراهن، ولا حظيت جبهة النصرة والجماعات المتطرفة الاخرى بالقدر الذي نشاهده اليوم من القوة والتأثير على ارض الواقع. ومع التدخل العسكري الروسي الاخير، وصلت المخاطر والمحاذير الى مستويات عليا غير مسبوقة وتضاءلت بالمقابل آفاق الحل وفرص حقن الدماء في سوريا الى أدنى مستوياتها.

الملاحظ في هذا السياق انه منذ توصل المجموعة الدولية (خمسة زائد واحد) الى اتفاق نووي مع ايران، زادت الاخيرة عملياتها ونشاطاتها الداعمة للميليشات الشيعية في العراق، ورفعت من عدد افراد الحرس الثوري في سوريا، وتابعت دعمها لميليشات الحوثي وعصابات عبدالله صالح في اليمن. كما كشفت البحرين والكويت مؤخرا عن ضبطهما لشحنات اسلحة وأدوات لتصنيع القنابل لدى جماعات محسوبة على ايران، و أعلن التحالف العربي الذي تقوده المملكة هو الآخر عن مصادرته حمولة من الأسلحة الايرانية المهربة في قارب للصيد وذلك بالقرب من ساحل صلالة العماني. كل هذا ينبئ عن ان ايران عازمة على متابعة سلوكها العدواني في المنطقة غير عابئة بما تضمنه اتفاقها مع الدول الكبرى!

إن الاتفاق النووي كما يراه الامريكان هو دفعة مقدمة مقابل الحصول على حسن نية في السلوك الايراني في المنطقة وخارجها. بيد أن هذا التوقع الامريكي لم يتجسد على ارض الواقع، بدليل مسارعة الحرس الثوري الايراني الى التمادي في أنشطته التخريبية في دول الجوار؛ وعليه فإن التبرير القائم على ان الاتفاق النووي سيشجع ايران على ان تكون دولة مسؤولة تستثمر جهدها في بناء علاقات سلمية مع جيرانها والاسرة الدولية، ليس في الحقيقة إلا وهما زائفا. ففي مقابلة صحفية اجراها الصحافي جون سوبل مع الرئيس الامريكي اوباما على قناة البي بي سي البريطانية تساءل هذا الصحافي عما إذا كان رفع العقوبات بموجب الاتفاق النووي سيساهم بوصول المليارات من الارصدة الايرانية المجمدة الى جماعات متطرفة مثل حزب الله ونظام الاسد بشكل يؤدي الى زعزعة الاستقرارفي منطقة الشرق الاوسطً؟ فجاء رد الرئيس اوباما بما معناه لنفترض ان ايران تابعت مشروعها النووي فإن المخاطر التي ذكرها الصحفي كانت ستبقى قائمة على أية حال، زيادة على حصول ايران على القنبلة النووية. وتابع اوباما قائلا ان هذا الواقع المفترض كان سيمثل تحديا استراتيجيا أكبر للويالات المتحدة ولإسرائيل وحلفائه الخليجيين. بعبارة اخرى أراد الرئيس اوباما ان يقول انه من المقبول ان تخلق ايران كل هذه المتاعب والمشاكل طالما ان ذلك لا يترتب عليه حيازتها على القنبلة النووية.

هذا الواقع المؤلم هو الآن حقيقة قائمة و هو نتيجة لعيب موجود في صميم الاتفاق النووي، وهو ما اكتشفه جيران ايران الإقليميون الذين أصبحوا يراقبون بدهشة تكثيف ايران لنشاطاتها المزعزعة لامن واستقرار المنطقة، إنما هذه المرة، وعلى خلاف ما سبق بمزيد من الثقة التي تظهرها ايران، وبوفرة اكبر في المال، وفوق ذلك كله تحت مظلة الاتفاق النووي.

يجادل البعض، ان الاتفاق النووي مع ايران حقق هدفه الاول والموضوعي وهو منع ايران من حيازة السلاح النووي في المدى القصير على الاقل. لكن يتوجب بالمقابل على هؤلاء ان لا ينسوا ابدا ان ايران تختلف عن باكستان والهند النوويتين وأنها بالمقارنة معهما تشكل خطرا كبيرا وداهما على المجتمعين الاقلميي والدولي يعود في جوهره وحقيقته الى ان ايران لديها سجل كبير وحافل في دعم الارهاب وتصديره، وبذر الشقاق الطائفي والخلافات في البلدان المجاورة، ولهذا بالذات فإن مجرد التفكير بإيران نووية يثير هواجس الرعب والفوضى. وقد ثبت عمليا من سجل تاريخ التفاوض مع ايران ان المجموعة الدولية المعنية بالملف الايراني قايضت، في سعيها للحصول بأي ثمن على اتفاق، أهم ما تملكه وهي العقوبات الدولية، مقابل تخلي ايران عن قنبلة لا تملكها اساسا، او بالاحرى مقابل احتمال ان تحصل ايران على مثل هذه القنبلة. علاوة على ذلك فإن السبب الوحيد الذي يخول المجموعة الدولية لإعادة فرض العقوبات على ايران، حسب نصوص الاتفاق، هو انتهاك ايران لبنود الاتفاق. لكن المشكلة تكمن عمليا في صعوبة إعادة فرض العقوبات في حال ضاعفت ايران تدخلاتها في شؤون المنطقة ودعمها لمنظمات ارهابية ولعملائها بالوكالة. كذلك لا يمكن لتلك المجموعة الدولية ان تتراجع، في حال انتهاكات بسيطة للاتفاق، عن سياسة رفع العقوبات الدولية عن ايران. وفقا لهذا السياق فإن المجموعة الدولية ٥+١ قد تكون ساهمت من حيث تدري او لا تدري في تطبيع سياسات ونشاطات ايران التخريبية في المنطقة ووضعت نفسها مع الغرب في موقف الضعيف المتغاضي عن تجاوزات ايران مهما شكلت من تهديد للامن الإقليمي وذلك خشية انتشار السلاح النووي في منطقة الشرق الاوسط.

قال مرشد الثورة الاسلامية على خامئني في رسالة وجهها الى الرئيس الايراني روحاني، ان اي تحرك خلال السنوات الثماني القادمة لإعادة العقوبات على ايران بغض النظر عن مستواه او التبرير المعتمد له بما فيه على ما أسماه 'الاتهامات المزيفة لإيران بالارهاب وانتهاكات حقوق الانسان' من جانب الدول الموقعة على الاتفاق النووي، سيعتبر انتهاكا للاتفاق النووي، وعليه فإن الحكومة الايرانية ستكون في حلِّ من ذلك الاتفاق، وملزمة لإتخاذ خطوات تتوافق مع المادة ٣ من قانون مجلس الشورى الايراني. بهذا التصريح يرسل خامئني اشارة واضحة الى الغرب بأن اي تحرك للضغط على ايران لحثها على وقف أنشطة لا تعتبرها الحكومة الايرانية مخالفة للاتفاق النووي ستترتب عليه عودة ايران بقوة الى متابعة نشاطها النووي بالكامل. يتبين مما سبق وبجلاء ان خامئني يرى ان ايران لديها رخصة مطلقة للتدخل في المنطقة ولدعم الارهاب وان لا احد قادر على ممارسة أية ضغوط عليها، وهذا كله يعود في اساسه الى حرص الغرب غير المفهوم على ابرام اتفاق نووي مع ايران مقابل اي ثمن.

قبل الاتفاق النووي، كان الخطر الجيوستراتيجي هو احتمال وجود ايران نووية تُزعزع الاستقرار من خلال عملائها بالوكالة في المنطقة، الا إن الواقع الجيوستراتيجي الجديد الذي أفرزه الاتفاق هو إيجاد ايران غير نووية (لمدة عشر سنوات فقط) مع اختلافها عن سابقتها بان لديها المال والموارد لإنفاقها، ولديها ايضا الراحة التامة بأن الغرب ليس لديه الشهية، ولا حتى الوسيلة، للضغط عليها لإجبارها على وقف أنشطتها التخريبية في المنطقة.

إن الخطر الحقيقي والموضوعي في امتلاك ايران للقنبلة النووية لم يكن ليتمثل في إمكانية استخدامها لمثل هذا السلاح، وإنما في إمكانية استمرارها بأنشطتها التخريبية، وزعزعتها للاستقرار بحماية مظلة نووية، وهو ما أعرب عنه الرئيس اوباما في المقابلة المشار اليها اعلاه. المفارقة المؤلمة هي ان ايران قد حصلت من خلال الإتفاق النووي على نفس الحماية التي كانت ستحصل عليها لو انها صنعت القنبلة النووية؛ وعليه فإن الاتفاق النووي مع ايران هو بذاته قنبلة نووية إنما بوجه آخر.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط