أبوالهول التائه

لينين الرملي
لينين الرملي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

هل نحن نحب آثارنا القديمة العريقة؟ أشك فى ذلك. بل قل هل نحن نعرفها؟ أشك. هل هى فى الوجدان المصرى؟ هل تدرس فى مدارسنا كما تدرس حضارتنا فى الكثير من مناهج الدول الأجنبية؟ أشك.

منذ سنوات قريبة بنى بعض الأثرياء فى صحراء الهرم عشرات المبانى بالطوب أو أكشاك من الخشب على مقربة من الأهرامات الثلاثة وبجوار تمثال أبوالهول للتفاخر والتنزه، واستخدمت فى أعمال أخرى لا داعى للحديث عنها الآن. وحسناً فعلت الدولة عندما أوقفت هذا العمل. ولكننا لا نفعل الجهد لإبراز عظمة حضارتنا فى كل مكان على أرض مصر وأمام أنفسنا قبل أن يكون أمام الأجانب، لكن الإخوان والسلفيين وأيضا الموظفين اعتبروها من الأصنام والعياذ بالله ويرقصون فرحا. بينما تماثيل الفراعنة العظام والمسلات التى سُرقت من معابدنا ترتفع عالية فى أنحاء ميادين الفرنجة وكأنهم هم أصحابها.

وعندهم بعض الحق، فرجالهم هم الذين اكتشفوها واستخرجوا الآثار والتحف من كل مكان فى مصر، والعكس صحيح عندنا. فقد تركنا أغلبها مغمورا فى التراب أو المقابر حتى جاء شامبليون الفرنسى الذى استطاع أن يكتشف لغتنا القديمة، فراح العالم المتمدن يتسابق عليها وينهل من حضارتها أكثر فى كل الفروع ويترجمها إلى لغاتهم، كالهندسة والطب والزراعة والصناعة والموسيقى والمسرح وغيرها من العلوم والفنون التى سبقت كل الحضارات.

بينما راح الذين استعمرونا من الهمج يحطمونها أو يستخدمونها أسوأ استخدام، فضلا عن سرقتها أو إهدائها مجانا للأجانب لأنها بلا قيمة ولا منفعة منها. أو أصنام. والأفضل تحطيمها أو الاستفادة من أحجارها فى البناء كما حدث كثيرا.

وفى الأخبار أن الصين منذ فترة أقامت تمثالا لأبوالهول، ولكن من الفلين وليس من الحجارة، وأكبر من تمثالنا سبع مرات، وحصدوا منه أموالا أضعاف زوار أبوالهول عندنا، والذى يحيط به مشهد الأهرامات الثلاثة. والغريب- كما صرح الرحالة المصرى أحمد حجاجوفتش- أن عدد السائحين الذين يزورون تمثال أبوالهول الصينى المزيف يدفعون حوالى 225 جنيها لزيارته، ويقبل عليه السائحون من كل فج عميق، وسيرتفع قريبا ليصل المبلغ إلى ما يوازى 260 جنيها. وصرح الدكتور حسن عبدالبصير، مدير منطقة الهرم، بأن تجربة الصين تستحق الدراسة، بل والاقتداء بها، (يعنى إيه.. نعمل أهرامات من الفلين مثلا؟!)، لمعرفة الأسباب التى جعلت تمثالا مصنوعا من الفلين موضع إيراد بهذا الحجم، محملا هيئة الجيزة المسؤولية لتراكم القمامة حول آثارنا. وقال محمد عبدالجبار، رئيس قطاع السياحة، إن الصينيين أجروا حملة دعاية قوية لأبوالهول الصينى، ولكن الوزارة اعترضت وقدمت شكاوى إلى جهات دولية كثيرة. فناشدت اليونسكو والسلطات الصينية الإسراع بإزالة التمثال. تنفيذا لما تم الاتفاق عليه من قبل مع جهات رسمية مصرية، وحدث هذا عندما تحركت منذ عام ونصف. ولكن الأوساط الأثرية فوجئت قريبا بالخبر المتداول من أن تمثال أبوالهول مازال موجودا فى موقعه حتى الساعة!! بل قررت الصين إنشاء محطة عملاقة لنقل الزوار من كل مكان وبناء فنادق على مستوى عالٍ فى أقل من عام لاستيعابهم.

فكم منا سمع أو عرف بذلك؟ وكم منا يمكن أن يغتاظ ويحبط من هذا؟ بالطبع هم عدة مئات فقط. وكم منهم يشعر بالنكد لذلك؟ فحتى الصين التى لم تستطع سرقة آثارنا عملت على تزييفها، وكأنها هى التى صنعت كل هذه الآثار.

وأكد أحد المسؤولين عندنا أن ما حدث عبث. ولم أفهم هل هو عبث من الصينيين أم منا. وقال مسؤول آخر بوزارة السياحة إن الصين أجرت حملة دعاية مكثفة لرؤية أبوالهول الصينى من خمسة آلاف سنة.

هل ندّرس آثارنا لتلاميذنا فى المدارس وفى أى مرحلة؟ أنا شخصيا لا أتذكر أصلا أنهم امتحنونا فى هذا أو كان من ضمن تاريخنا فى الدراسة الابتدائية. فلماذا لا يدرس حتى نهاية الدراسة الإعدادية على الأقل؟!

المثل الشعبى عندنا يقول (من فات قديمه تاه)، إذن نحن الآن مازلنا نعيش فى التوهان. وإذا لم تصدقنى اسأل المصرى العادى أين يقع تمثال أبوالهول؟ إلا إذا كان من لصوص الآثار، وما أكثرهم.

* نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط