.
.
.
.

عن المهاجرين.. مع الاندماج ضد التمايز!

فهد بن سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

استفزّت أعداد المهاجرين المضطهدين السوريين إلى أوروبا أصوات المعنيين بالمسألة الاجتماعية والفكرية والفلسفية، الموجة المهولة لا يمكنها أن تكون مجرّد طروء اجتماعي عابر ومؤقت، بل ستؤثر على التركيبة والنسيج من خلال الزحف الممنهج الآتي بكل الحمولة الثقافية، والإرث التاريخي، وأحمال الذاكرة المحطّمة، وكل هشيم الموت وهياكل المجازر الماثلة في عيون المهاجر مثل كابوسٍ يطارده في كل حالاته. إن تاريخ الهجرات ارتبط بنشوء سياسات وقوانين، تاريخيًا في الحرب العالمية الأولى شكّل اللاجئون الروس «الذين ليس لهم دولة» وطردتهم الحكومة السوفياتية وجرّدتهم من حق المواطنة تحديًا جدّيًا، إذ لم تكن هناك أي دولة مستعدة لاحتضانهم والاعتراف بـ«حقوق جديدة» لهم، وهذا الأمر واجهته عصبة الأمم 1921 التي زوّدتهم بوسائل للتعريف بهويتهم. في تلك الفترة أصدرت الكثير من الدول قوانين تتسم بالنزعة القومية كانت هي أساس «سياسات الهجرة» طوال السنين اللاحقة.

تغذّي الهجرات إمكانات الصراع، وتزرع حالاً من الاستفزاز في المجتمع المهاجَر إليه، ونقرأ - على سبيل المثال - في كتاب «تاريخ الهجرات الدولية» لباولا كورتي، فصلاً مهمًا عن «كراهية الأجانب»، ويستدلّ فيه بأن فترة ما بين الحربين شهدت أميركا هجراتٍ كثيرة، ولم يكن «وعاء الذوبان ونشوء الهوية الأميركية بوصفها مصهرة لمختلف الجنسيات كافيًا لمنع سفك الدماء وملاحقة الأجانب منذ نهاية القرن التاسع عشر، كما أن حملات الكراهية ومعاداة الأجانب كانت سببًا بعمليات إعدام». بمعنى ما فإن الهجرات بحمولتها وثيمتها ورموزها الثقافية تستفز المجتمع، وعليه فإن التحديات للجم إمكانات الصراع أو الكراهية يلزمها إدراك دروس التاريخ من هذه الهجرات وأمثالها في ظل غليانٍ عالمي ونزوع نحو القوميات في أوروبا وتصاعد صدى اليمين وعلو أصوات الانكفاء والانعزال.

رسم جمع من العرب نماذج اندماج مهمة في البرازيل وأميركا اللاتينية، والولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك المسلمون الأتراك بألمانيا. ومنذ تاريخ هجرات العرب القديم بمراحلها التي تمثّلت في نكبة فلسطين 1948، وهزيمة العرب عام 1967، والحرب الأهلية اللبنانية، والحرب العراقية الإيرانية، والهجرات لأميركا التي كانت من جبل لبنان تحديدًا ومن العناصر المسيحية على وجه الخصوص، والنماذج تصنع نجاحاتٍ معيّنة، غير أن تلك الحقبة لا تشبه هذا الوقت من تاريخ العالم، ذلك أن قيم التنوير، ومساعي الإنسانية، وشغف الدفاع عن المظلومية، كل ذلك لا يحرّك التداول السياسي الحالي، حيث تغلب لغة المصالح، وتطغى العزلة، في ظلّ الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم، ومع كثافة التحديات الأمنية، ونشوء التيارات الأصولية المتناسلة، بات الحفاظ على ما تبقّى أكثر واقعية لدى المنطق الدولي من الدفاع عن إرادة التغيير، أو أحلام الحرية وشعارات الإنسان الساحرة والباهرة.

الفيلسوفة الأميركية مارثا نوسباوم، صدر كتابها «التعصب الديني الجديد - مخرج من سياسة الخوف»، وفيه تسوق مقارنة بين وضع المهاجرين في أوروبا وأميركا، تقول نوسباوم: «في الولايات المتحدة الأميركية يتم تشجيع الأفراد اجتماعيًا وقانونيًا على العيش وفق تعاليمهم الدينية ما داموا لا يسببون بذلك ضررًا لأحد، بطبيعة الحال يحق للدول وضع قواعد رشيدة ومحايدة للهجرة. ولكن ما يبدو لي سياسة خاطئة تمامًا، هو عمليّة دعوة الناس ثم معاملتهم وكأنهم يشكِّلون خطرًا على المجتمع». وبوقتٍ مبكّر من زحف المهاجرين، تحدّث فيلسوف ألمانيا الأبرز يورغن هابرماس، بأن على ألمانيا وفرنسا أن تصوغا سياسة أوروبية أكثر فعالية وذات منظور مستقبلي إزاء أزمة اللاجئين الحالية، بل لا بد أن ينصب التركيز على هذه السياسة بغية التعاون بشكل أفضل إزاء قضية اللاجئين، لقد قالها بوضوح: «لا بدَّ لنا من أنْ نتوقَّع من كلِّ شخصٍ نستقبله أنْ يلتزم بقوانيننا وأنْ يتعلم لغتنا. ولا بدَّ لنا فيما يخص الجيل الثاني على الأقل أنْ ننتظر منه أن يكون قد رسخ مبادئ ثقافتنا السياسيَّة عمومًا».

تعتبر هجرة السوريين من نيران الحرب الأهلية الكارثية من أخطر مراحل الهجرات في التاريخ الحديث. والمهاجرون ليسوا سواسية؛ منهم من هاجر للنجاة بنفسه فعلاً، وبعضهم أراد تجديد خيارات حياته، وفرص وجوده الجغرافي، واستثمار الامتياز الأوروبي والألماني تحديدًا، وهذا التنوّع في المقاصد والتفاوت في الحالات ستمحضه القوانين وستفرزه التتبعات الأمنية، والمداولات القانونية، والترتيبات السياسية، خاصة إن وضعت الحرب أوزارها بتفاهمٍ سياسي ملحّ، لكن من أجل تجنّب كل المخاطر المحدقة على المهاجرين الذوبان وتقرير الانصهار في القوميات التي يلوذون بها، لأن التمايز واختيار تكوين مراكز معزولة داخل قوميّات تعتزّ بهويّتها ولغتها مثل الألمان يضعهم في خانة الشكّ المستديم وربما إشعال نار الاستفزاز القومي للمجتمعات تلك، والظرف لا يسمح إلا بالتأقلم والاندماج، في ظلّ تفريخ المجتمعات والنزاعات تنظيمات فتّاكة قاتلة تتسلل إلى أوروبا والعالم مثل الفيروسات القاتلة والميكروبات المخاتلة. سيختبر العالم شكل هذه الهجرات ومستوى الانضباط ضمن «السياسات».

إن مع الحق بالهجرة واجبات، ولظرف المهاجر تحديات، ولنمط عيشه في أوروبا ومجتمعاتها اشتراطات، وأولها وأهمها تخفيف التمايز عن العالم، والتواضع أمام الثقافات المحيطة، والتعاون الأمني في موضوعات الإرهاب، والاهتمام المستمر والتساؤل المستمر عن «القيم» الكبرى التي استطاع «ما تبقى منها» أن يحرس كل هذا الجمع من البشر الخارج من موتٍ محتّم، ومن بلدٍ محطّم، والذاهب إلى أوروبا الحُلم، واللائذ ببردها من حرّ نار بلده، والآوي إليها من كهوف الموت وقطعان الذئاب الشريدة.

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.