.
.
.
.

الاشتباك مع الغرب

عمرو الشوبكي

نشر في: آخر تحديث:

لكل اشتباك قواعده وأصوله، فاشتباكات «الجودو» و«الكاراتيه» ليست مثل اشتباكات السياسة، واشتباك بلد نامٍ مثل مصر مع قوى غربية كبرى أمر أيضا له قواعده وأصوله، ولا يصح فيه خطاب الاستهلاك المحلى الذى قد يؤثر فى الداخل لفترة، ولكنه يقيناً لن يؤثر فى الخارج للحظة، خاصة إذا كان هذا الخارج ينتمى للقوى العظمى.

والحقيقة أن إدارة علاقتنا بالغرب كانت دائما شائكة، ولم تكن مشكلتنا معه فى تآمره علينا، إنما فى قدرتنا على مواجهة هذه المؤامرات من خلال مشروع سياسى فى الداخل لديه رصيد شعبى، وقادر على تقليل تدخلات الغرب وشروره.

الاشتباك مع الغرب عرفناه أيام الاحتلال البريطانى، ثم فى عصر التحرر الوطنى، ثم فى عهد مبارك، وأخيرا فى العهد الحالى، وكانت هناك نجاحات وإخفاقات، ولكن قدرة مصر على تحديد طبيعة الصراع مع الغرب، وهل هو صراع سلمى أم مسلح، وهل يقوم على مفردات التحرر الوطنى ومواجهة الاستعمار أم عصر التنمية المتبادلة والتفاعل النقدى والصراع السلمى هو الذي سيحدد نجاحها من عدمه.

والمؤكد أن عصر التحرر الوطنى، الذى قادته مصر فى عهد عبدالناصر، دخل فى مواجهات حقيقية مع الاستعمار، وكان العدوان الثلاثى فى 1956 أحد أبرز سماتها، وأسس عبدالناصر نظاما سياسيا تقدميا وثوريا واجه به الاستعمار، ولكنه استطاع فى نفس الوقت أن يحدث تغييرات اجتماعية وسياسية داخلية عميقة.

والمؤكد أن تجربة عبدالناصر لم تكن ديمقراطية مثلها مثل كل تجارب التحرر الوطنى فى بلاد العالم (باستثناء الهند)، فقد بنت نظم الحزب أو الكل فى واحد، ورفعت شعارات الاصطفاف الوطنى من أجل التحرر ومواجهة الاستعمار، ولم تكن الديمقراطية مطروحة كأولوية بالنسبة لكل هذه التجارب.

إن اشتباك عبدالناصر مع الغرب استمد من حالة ثورية لا يمكن إسقاطها على عصر آخر لمجرد أن هناك بعض الهتيفة يصرخون كل يوم ضد الغرب، فقضية الاستقلال والتحرر الوطنى كانت لها شواهد على الأرض وثمن يدفعه المصريون من دمائهم من أجل نيل الاستقلال والتحرر من الاستعمار، فى حين أن الدماء تسقط الآن بسبب حوادث الطرق وانهيار العمارات والسيول التى تجرف المدن، والمظالم التى يتعرض لها البعض، والإرهاب الذى يدفع ثمنه المئات.

وحين يأتى العصر الحالى تسمع كل يوم خطابا إعلاميا يطالب بحرب على الغرب ويؤكد المؤامرة الدولية دون اعتراف بأوجه القصور الداخلية، وينسى أو يتناسى أن مصر امتلكت تقريبا نفس هذه المنظومة الإعلامية الفاشلة التى أدت إلى نكسة 67، ومنظومة نصر قامت على المهنية والثقة فى المواطن والشفافية وأدت إلى نصر 73، وأن الاشتباك الصحيح مع الغرب لا يحتاج إلى سلطات مطلقة للرئيس ولا قرار بتأميم قناة السويس، إنما إلى نظام ديمقراطى ومهنية فى العمل ومجتمع نشط ومنظم ومبادر ومنظومة تعليم لا يقودها وزراء التعليم العالى الحاليون.

والحقيقة أن أى استدعاء للسلطة المطلقة بعد أن خرج الاستعمار من بلادنا سيعنى العودة لمنظومة «الفشل الكبير»، لأن مصر الآن تحتاج إلى نظام ديمقراطى، وإلى قيم المهنية والإصلاح، والرؤية التى تنظر إلى تفاصيل الصورة وحقيقة المشاكل المعاشة، وليس بالإحالة للشعارات العامة والهتافات الرنانة التى سبق أن أطلقها البعض قبل هزيمة 67 ويعيد تكرارها الآن.

الاشتباك مع الغرب هو فى السياسة والاقتصاد، وهو يتطلب لنجاحه بناء مشروع سياسى فى الداخل، قادر على صياغة مفردات يواجه بها ضغوطات الغرب، فحزب الوفد لم يواجه الاحتلال البريطانى بالشعارات فقط، إنما بحزب قوى جذب له أغلب المصريين ودافع عن الاستقلال والدستور، وكذلك عبدالناصر بنى نظاما سياسيا تبنى فيه شعارات عصره فى التحرر ومواجهة الاستعمار.

والآن هل يمكن أن نواجه الغرب بشعارات التحرر الوطنى فى عصر ما بعد التحرر الوطنى، أم نواجهه بنظريات المؤامرة وكلام أقرب للسحر والخرافة، أم ببناء نموذج سياسى واقتصادى قادر على الإنجاز فى الداخل والتأثير فى الخارج؟

والحقيقة أن الغرب ينسج علاقاته بشكل أساسى مع العالم على المصالح، خاصة الاقتصادية، دون أن يعنى ذلك غياب تأثير الرأى العام ونخب الضمير من كتاب ومؤسسات صحفية وبحثية وجامعات وغيرها، وهؤلاء جميعا يمكن اعتبارهم فى المجمل من رافضى النظام السياسى فى مصر.

والحقيقة أن مصر لا تطرح مشروعا سياسيا قادرا على التفاعل النقدى مع مقولات الغرب، باستثناء بعض الشعارات العامة الخاصة بالحرب على الإرهاب، ولم نر إعلاما قادرا على تقديم أى رسالة يفهمها الغرب، وصرنا نطرح خزعبلات فى الداخل غير قادر على قبولها حتى عقلاء الداخل.

مصر عرفت قبل ثورة يوليو وبعدها أسماء كتاب وسياسيين كبار كانوا جزءا من النقاش العالمى حول قضايا بلادهم والعالم، وأثروا فيه وساهموا فى تعديله، ودافعوا عن قضايا بلدهم بالعلم والمعرفة وليس بالصريخ والهتافات.

نحتاج لاشتباك مع الغرب بمشروع سياسى فى الداخل له قواعد اجتماعية ورؤية واضحة حتى نستطيع مواجهة تحديات الخارج وضغوطه، وهو أمر لن ننجح فيه بالصراخ والتطبيل الإعلامى ونظريات المؤامرة.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.