أمثلة جارحة

عدنان فرزات
عدنان فرزات
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

من دون قصد، فإننا في سياق أحاديثنا وكتاباتنا لا نراعي الحالات الإنسانية حين نأتي بها كمثال على أمر سيئ.. ولتوضيح أكثر، فإننا نتهكم بأحاديثنا على أصحاب الاحتياجات الخاصة وإن كان بشكل غير مقصود، وقد وددت في هذه السطور أن ألفت النظر إلى هذه الناحية، لعلنا نتلافاها قدر الإمكان.
فمثلاً عندما نريد الإشارة إلى حديث لا جدوى منه بين اثنين، فإننا نصفه بأنه «حوار الطرشان»، وكذلك عندما يصطدم شخص بك من دون قصد، فإنك تبادره بالقول: «هل أنت أعمى»، أو عندما تصف شخصاً غير قادر على اتخاذ قرار مثلاً، فإنك تقول عنه «شخص مشلول الإرادة»، أو «عاجز».. وحتى عن المرأة العاقر والعقم بشكل عام نأتي بأمثلة على مواضيع لا جدوى أو فائدة منها..
وهكذا الكثير من الأمثلة التي نتخذ من أصحاب الإعاقات فيها أمثلة على أفعال محبطة، ولا نضع في حسباننا أن شخصاً من أصحاب هذه الإعاقات سيتأثر كثيراً في حال لاحظ ذلك، لأن الأمر منتشر منذ زمن بشكل يكاد يصبح اعتيادياً حتى في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، ولكننا ننسى أن بعض هؤلاء من أصحاب الاحتياجات الخاصة حقق ما لم يحققه أصحاب الأجسام والعقول التي يفترض أنها سليمة.
الكثيرون يعرفون قصة الرجل المعاق كلياً إلا من لسانه، وقد تمكن بلسانه فقط من استخدام الكمبيوتر، بل وأصبح يعمل برامج ويدخل بيانات، فماذا نفعت أصابع الأشخاص الذين لا يستخدمون هذه التقنية الحديثة؟ وهناك ستيفين هوكنغ أحد أذكى الفيزيائيين في العالم رغم أنه مشلول بشكل كامل ولا يستطيع حتى الكلام، فماذا أفاد الأصحاء كلامهم؟ وهناك كما هو معروف الأديب طه حسين الذي غيّر مسار الكثير من الفكر العربي، وهو أعمى، والموسيقار بيتهوفن أبدع أجمل ألحانه وهو أصم، فعن أي حوار طرشان نتحدث؟ ولدينا بطل المبارزة طارق القلاف الذي احتل عدة مرات بطولات عالمية وهو على مقعد متحرك، ولو عددت أصحاب هؤلاء الإعاقات الذين خدموا البشرية، فما كفّت مجلدات بأكملها.
بشكل عام ليس لدينا، نحن العرب، خطة مدروسة للتعامل مع أصحاب الاحتياجات الخاصة، لا نهتم بهم إلا في مواقف السيارات، وحتى في هذه لا نراعيهم أحياناً.
لذلك، حان الوقت لنراقب كلامنا ونعيد النظر في أمثلتنا الجارحة وغير الصحيحة أصلاً، فماذا استفاد الكثير من العرب من عيونهم التي يبصرون بها إلا «للبصبصة» والبحلقة في مفاتن النساء؟ أو من أياديهم مفتولة العضلات سوى للعب.. الورق؟

نقلاً عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط