عالما أوباما وبيبي .. وعالم الانتظار الفلسطيني

خير الله خير الله
خير الله خير الله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

يوم الجمعة الماضي، قبل اثنتين وسبعين ساعة من استقبال الرئيس باراك اوباما لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، حرص مسؤولون كبار في الإدارة على تأكيد ان لا مجال لأي جهود جديدة من اجل تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. الكلام، بالطبع، عن السنة الباقية من عهد اوباما الذي يبدو انّه لم يعد لديه ما يقوله او يفعله في شأن عملية السلام. ليس لديه شيء لا للإسرائيليين ولا للفلسطينيين. ملف السلام صار نائما الآن. الملف الصاحي ملف المساعدات العسكرية لإسرائيل ولا شيء آخر للأسف الشديد.

استسلم الرئيس الأميركي لرئيس الوزراء الإسرائيلي الذي تحدّاه مرّات عدة في السنوات السبع الأخيرة في واشنطن (دي. سي.) مركّزا على الكونغرس بالذات. كان نتنياهو في كلّ وقت ضد اي مفاوضات جدّية، لكنّه كان مضطرا بين حين وآخر الى الكلام عن انفتاحه على كل الطروحات، بما في ذلك خيار الدولتين، حرصا على عدم قطع شعرة معاوية مع واشنطن.

قبل اقلّ من تسعة اشهر، زار رئيس الوزراء الاسرائيلي واشنطن في آذارـ مارس الماضي بدعوة مباشرة من رئيس مجلس النوّاب والقى خطابا هاجم فيه الإتفاق النووي الإيراني. كان ذلك قبل توقيع الإتفاق بين ايران وجمعة الخمسة زائدا واحدا.

لم يمرّ نتنياهو عبر البيت الأبيض. على العكس من ذلك، تجاهل باراك اوباما كلّيا، بل تجاوزه من منطلق انّه يمتلك الكونغرس بمجلسيه وليس في حاجة الى الإدارة. لم تكن هناك منذ البداية، وفي يوم من الأيّام، اي كيمياء تجمع بين الرجلين. كلّ منهما يعيش في عالم خاص به لا علاقة له بالآخر. لكن الوقت كشف ان بيبي، كما يسمّي الإسرائيليون نتنياهو، اقوى من رئيس اميركا في اميركا نفسها وانّ الضياع الخارجي الذي تميّز به عهد الرئيس الأسود الأوّل للدولة العظمى الوحيدة في العالم، ينسحب ايضا على فلسطين.

اذا، طمأن اوباما نتنياهو الى طي صفحة التسوية التاريخية، التي كان يطمح الى تحقيقها في فلسطين، منذ اليوم الأوّل لدخوله البيت الأبيض. لم تعد لديه ايّ هموم من هذا النوع وفي هذا المجال، خصوصا انّه وجد مكانا له، او هكذا يعتقد، في كتب التاريخ. وجد ذلك بفضل الإتفاق النووي مع ايران، الذي يبدو من وجهة نظر الإدارة الأميركية، انّه يختزل كل ازمات الشرق الأوسط.

في صيف العام 2008، في اثناء حملته الإنتخابية، زار باراك اوباما الضفّة الغربية والتقى رئيس السلطة الوطنية السيّد محمود عبّاس (ابو مازن). كان اللقاء في رام الله مناسبة ليؤكد المرشّح الديموقراطي للرئاسة الفلسطينية انّه لن يفعل كما فعل سلفه جورج بوش الإبن الذي ترك الإهتمام بالشأن الفلسطيني لنهاية ولايته الثانية. قال اوباما لمحمود عبّاس انّه سيباشر العمل على تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض. صدق اوباما. باشر تحركّه الذي اغضب الجانب الإسرائيلي الرافض لفكرة السلام من اساسها. كان اوّل عمل اقدم عليه تكليف السناتور السابق جورج ميتشل مهمة خاصة في الشرق الأوسط بهدف ايجاد تسوية فلسطينية- اسرائيلية.

فشل ميتشل وحمّل قسم من المسؤولين الجانب الفلسطيني مسؤولية هذا الفشل. اعتبر هؤلاء أنّ الجانب الفلسطيني لم يحسن التصرّف في اي مرحلة من مراحل ولاية اوباما. لم يستطع الحصول على شيء عندما اضطر الإسرائيلي لتقديم تنازل ما تحت الضغط الأميركي. كان الجانب الفلسطيني، من وجهة نظر بعض الأميركيين، يتخّذ مواقف بعيدة عن اي نوع من المرونة مسهّلا بذلك مهمّة بيبي نتنياهو الذي لا يؤمن سوى بالإحتلال وتكريسه.

حسب هؤلاء، تكرّرت الأخطاء الفلسطينية. يقول المسؤولون الفلسطينيون انّ بيبي لم يقدّم يوما شيئا. هذا صحيح الى حدّ ما. ولكن هل كان مطلوبا وقف المفاوضات من اجل الدخول في نزاعات داخلية شملت «فتح» والسلطة والوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية؟ هل كان مطلوبا التخلي عن خيار بناء مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية والوصول الى ما وصل اليه الوضع اليوم حيث لا حكومة فلسطينية تعمل، بل هناك حكومة صورية افضل ما يمكن وصفها به انها لمجرّد الزينة.

مرّة اخرى، لم يكن بيبي يريد التفاوض الجدّى يوما. ما قدّمه لا يعني الكثير. ولكن مع ذلك، كان من الحكمة عدم وقف المفاوضات وقبول الفتات في انتظار يوم افضل وتفاديا للوصول الى مرحلة شبيهة بالمرحلة الراهنة.

تتميّز المرحلة الراهنة، اضافة الى عمل «حماس» على ترسيخ الإنفصال بين الضفّة والقطاع، بغياب اي سيطرة للسلطة الوطنية على الشارع، خصوصا في الضفّة الغربية. لكنّ اخطر ما في الوضوع انّ ادارة اوباما باتت قادرة على القول انّها ادّت قسطها للعلى وانها ستترك القضية الفلسطينية للإدارة المقبلة. للإيضاح فقط، لن يدخل لرئيس المقبل البيت الأبيض قبل مطلع العام 2017...

من الآن الى مطلع 2017، يسرح الإسرائيلي ويمرح كما يشاء، وهو ينسّق مع الروسي في سوريا وسط تصفيق ايراني، حتّى لا نقول بالتفاهم مع طهران. العالم كلّه يركّز على سوريا حيث انضمت روسيا الى الحرب على الشعب السوري، فيما لم تعد فلسطين في بال احد، باستثناء الذين يريدون المتاجرة بالقضية وبالفلسطينيين انفسهم.

فوق ذلك كلّه، بات في استطاعة الناطق الرسمي الجديد باسم بيبي ويدعى ران باراتز، والآتي من احدى مستوطنات الضفّة الغربية، وصف باراك اوباما بأنّه «الوجه الجديد لمعاداة السامية» ووزير الخارجية جون كيري بأنّه «رجل، يمتلك عقل ولد في الثانية عشرة من العمر»!

مرّ موضوع باراتز باعتذار منه لأوباما وكيري. لكنّه مرّر الرسالة التي يريد تمريرها...

لا يزال بيبي في عالمه، عالم تكريس الإحتلال لجزء من الضفّة والقدس، ولا يزال باراك اوباما في عالمه ايضا، عالم التفكير بما سيقال عنه في كتب التاريخ. لا يزال اسير الرهان على ايران وعلى ملفّها النووي وعلى حسن نياتها، في وقت دخل الفلسطيني المقيم في رام الله عالما آخر، هو عالم الإنتظار. انّه العالم الذي ربّما لم يغادره يوما. هل غادر الفلسطيني هذا العالم في يوم من الأيّام؟

نقلاً عن "المستقبل"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط