.
.
.
.

قمة الرياض.. نهاية الانسداد العربي التاريخي

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

نجحت القمة العربية اللاتينية التي شهدتها العاصمة السعودية الرياض الأيام القليلة الماضية في إحداث حراك وتوافق سياسي عربي - عربي إيجابي للمرة الأولى منذ وقت طويل، عطفا على تحقيق تقدم خلاق فيما يخص إحداث توازنات جيواستراتيجية في علاقات العرب مع العالم الخارجي، حتى لا تبقى شعوب الأمة رهن اختيار ثنائي جبري بين الشرق والغرب، أو بين موسكو وواشنطن، في عالم متغير ومتسارع الأوضاع ومتبدل الطباع، وتجد فيه دول أميركا الجنوبية لنفسها موضع قدم ثابتا ورصيدا تنمويا وتقدميا، وتحرريا ووطنيا.
نجح خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان في جمع عرب الشمال ولاتيني الجنوب على مائدة واحدة، مكذبا بذلك حالة التنبؤات الزائفة، التي ذهبت إلى الحتمية التاريخية لصراع أصحاب الحضارات المختلفة الجذور والأصول، فاتحا الباب واسعا لحوار وتعايش، لا سيما تجاه دول صديقة ومؤيدة للقضايا العربية وبخاصة القضية الفلسطينية، ونحن لا ننسى أن دول أميركا اللاتينية أسبق دول العالم اعترافا بالدولة الفلسطينية وتظاهرا لأجل مظالمها، وقد سحبت كثير من الدول اللاتينية سفراءها من إسرائيل إثر العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.
من جهته، أحسن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حين أشار إلى أن هناك بالفعل أرضية مشتركة بين العرب وشعوب دول أميركا اللاتينية، من المبادئ والقيم الإنسانية الحضارية والثقافية، فأبناء حضارات المايا والأزتيك ضاربون جذورهم في التاريخ الإنساني، بما يتصل أنثروبولوجيا بالحضارة العربية، وعليه تتشابه النماذج التنموية والاقتصادية، أو هكذا ينبغي أن يكون المشهد.
هل تعظيم العلاقات العربية - اللاتينية أمر تحتمه مقتضيات أحوال العالم المضطربة في العقود الأخيرة؟
حكما ذلك كذلك والأسباب كثيرة، وفي المقدمة منها ضرورة البحث عربيا عن كتل سياسية، وتكتلات اقتصادية، تكون بمثابة حلفاء جدد، سيما وأن الأقطاب الكبرى، وكما يتبدى للناظر، غير مضموني الرؤية والتوجه.
يستلفت النظر في الكلمات التي ألقيت من قبل عدد من زعماء ومسؤولي أميركا الجنوبية، أن هناك تشابها واضحا وفاضحا للأيادي الأجنبية التي تسعى للإضرار باللاتينيين كما جرى مع العرب، وهذا ما أشار إليه رئيس أوروغواري «تاباري فازكير» الذي لفت الأنظار إلى أن التدخلات الخارجية في شؤون أميركا الجنوبية قد أوجدت الإرهاب والدمار، ما يتطابق مع محصلة سنوات الربيع العربي المغشوش.
على أن الخطب الرنانة والمشاعر السياسية الأخاذة لا تغني في واقع الحال عن حتمية توظيف العلاقات العربية - اللاتينية توظيفا اقتصاديا، ففي القرن الحادي والعشرين بات العامل الاقتصادي محركا للسياسات، وزاخما لثورات الأمم والشعوب التنموية، للخلاص من ربقة «الاستعمار الجديد» إن صح التعبير.
يجمعنا مع أميركا اللاتينية عنصر مهم وفعال يتعرض اليوم لمؤامرات آناء الليل وأطراف النهار، ونعني به النفط وما يحاك له من تدابير هوت بسعره، ويمكن للطرفين العربي واللاتيني تحويل النقمة، نقمة الأسعار إلى نعمة تنموية حال بلورة رؤية مستقبلية من الشراكات الاقتصادية، عمادها الأرض والبشر، تستطيع أن تكون نواة لتكتل اقتصادي جديد، في مجالات التكنولوجيا والاستخدام السلمي للطاقة النووية، ناهيك بصناعات ثقيلة من عينة صناعة الطائرات، والاستفادة من خبرات اللاتينيين في مكافحة التصحر.
لا يغيب عن أعين العرب اليوم تجارب تنموية لاتينية ناجحة مثل البرازيل والأرجنتين، كذلك دور بعض بلدان القارة الجنوبية المتميز داخل إطار منظمة البريكس، الوليد الدولي الجديد، والنظر إلى البرازيل بنوع خاص يعكس حقيقة السعي الجنوبي للعب دور أكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، وعليه تبقى علينا «اقتناص الفرصة»، والتعاطي معها بإيجابية وموضوعية ودون تضييع للوقت.
أواصر الثقة مع القارة اللاتينية قضية يجب أن توضع على جدول الأولويات العربية الداخلية والخارجية معا، فهي القارة شبه المنسية، بعد أن وجهنا أنظارنا لجهة الغرب الأوروبي والشمال الأميركي أبدًا ودوما، في حين تسعى أطراف إقليمية معروفة بعينها إلى نسج شبكاتها العنكبوتية حول دول القارة، للاختصام من أي رصيد عربي أو قطع الطريق على مصالح أبناء «الخليج العربي» بنوع خاص، والناطقين بالضاد بكل عام.
والشاهد أنه رغم نجاح مؤتمر الرياض، إلا أنه ينبغي ألا نقع في الخطأ التاريخي الذي وقعنا فيه من قبل في علاقاتنا مع دول أفريقيا السمراء، فقد ارتكنا طويلا إلى مواقفها الأولية الداعمة للعرب وقضاياهم التحررية، وأغفلنا أن «شكر المحسن يدعوه لمواصلة إحسانه»، إلى حد أن استطاع آخرون النفاذ من ثقوب العلاقات المهترئة، وهو مشهد يذكرنا بما قاله رئيس وزراء روسيا الذي رحل مؤخرا عن عالمنا «يفجيني بريكماكوف» في وصفه لعلاقة العرب بالاتحاد السوفياتي، وكيف أن العرب اعتمدوا على مواقف موسكو المؤيدة للقضايا العربية، دون العمل على تطوير علاقات اقتصادية وسياسية للعمل مع جمهورياته السابقة.
يعين لنا أن نتساءل هل من أجندة بمشروعات واضحة ومواقيت محددة سلفا لإنجاز مشروعات مشتركة بين الطرفين؟ هناك آمال عريضة أن ترتفع معدلات التبادل التجاري بين الطرفين، وهنا يبدو الدور الاقتصادي مكملا ومتمما للتوافقات السياسية البناءة بين الجانبين.
قبل الانصراف، يتذكر المرء، الرئيس البرازيلي السابق «لولا دا سيلفا»، صاحب دعوة هذا الملتقى، ونذكر كذلك أن نحو 10 في المائة من سكان أميركا اللاتينية تقريبا من أصول وجذور عربية، ما يعني أن هناك أساسا طيبا يمكن البناء عليه.
قمة الرياض فرصة جيدة للغاية للفكاك من حالة الانسداد العربي السياسي التاريخي بين الغرب بشقيه الأوروبي والأميركي.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.