الآن أوان الاجتماع والحوار والاتفاق

الياس الديري
الياس الديري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

كل لبنان اليوم الضاحية الجنوبيّة. كل اللبنانيّين برج البراجنة. كل شهيد سقط ضحيّة الجريمة الإرهابيّة المروِّعة هو ابن كل عائلة لبنانيّة، وكل بيت لبناني. وكل ضاحية وناحية ومنطقة وحاكورة في هذه الجغرافيا الحزينة المقهورة والمصدومة.

لقد أيقظت الجريمة المرعبة المستنكرة كل اللبنانيّين من غفلة طويلة، وجعلتهم يشعرون أن الإرهاب الذي استهدف البرج وأهلها إنما يستهدفهم أيضاً. يحاصرهم. يأكل معهم من صحنهم. وينام على وسادتهم منذ زمن بعيد. وفي جولاته الإجرامية البغيضة يتطلّع دائماً إلى التفرقة وزرع الشقاق والبغضاء وتمزيق لبنانهم، وتبديدهم.

ليس بالاستنكار وحده ننال من الإرهاب والذين يقفون خلفه، بل بصحوتنا من نومة أهل الكهف. من هذه الغفلة الطويلة الطويلة. وتالياً، الصحوةمن سجالات المختار والناطور، ونقارات الكنّة وحماتها. والكفّ عن جدَل من المسؤولين عن تنكة الزبالة هنا، وجرّة الماء هناك، ومَنْ قبل الآخر، البيضة أم الدجاجة؟

من خلال هذه الهزليّات والمناحرات يتسلّل المجرمون المدجّجون بالإرهاب والموت، ويصطادوننا منطقة إثر أخرى، وبريئاً تلو بريئة.

كلّنا ضحايا. كلّنا أهداف برسم القتلة. وكلنا نحن ووطننا، المضطهد منّا والمهمل عمداً، على لائحة الاصطياد زرافات ووحداناً.

تعالوا نفيق من أحقادنا ووساوسنا وكوابيسنا. تعالوا ننضج ونكبر ونعقل ونعي ونرى ونسمع وندرك ما يُدبَّر لنا في الخفاء وفي العلن.

تعالوا نكون حقاً لبنانيّين، مواطنين صالحين أوفياء. مصيرنا واحد. هدفنا واحد. وطننا واحد. عدونا واحد. جرحنا واحد. أمننا واحد. وحدتنا ضماننا وسورنا وسلامنا.

تعالوا نعيد قراءة ماضينا، وحروبنا، وآلامنا، وعذاباتنا، وقهرنا، وأسباب فرقتنا وتمزّقنا، ووقوفنا في مواجهة ضحلة لا تؤذي سوانا.

فمن خلال هذه الانقسامات، وهذا الاندثار، وهذا التفرّق، يدخل الإجرام بيتنا ويصطادنا واحداً تلو الآخر. وبالجملة. وبكل ما نرى ونسمع من وحشيّة وهمجيّة وحقد.

آن لنا أن نسترجع عقولنا، وقلوبنا، وضمائرنا، وأخلاقنا، وطيبتنا، ووفاقنا، ووحدتنا، وننهض من هذه الجورة، من رقدة العدم... وننسحب مرة أخرى وأخيرة من أيدي قتلتنا، بل من أسْر لعبة الأمم والمتاجرين بدمائنا وآلامنا ودموعنا وجثثنا.

لا خيار لنا إلا العودة إلى أصولنا، وتقاليدنا، ومواثيقنا، وعاداتنا، وصفائنا، ووحدتنا، ولبناننا.

أناديكم، شيباً وشباناً، وأناشدكم أن نصحو معاً من هذه الأوهام القاتلة. وأن نعود إلى حالنا، إلى بلدنا، ونعيد وصل ما انقطع، بل وصل شريان الحياة المشتركة. بل شريان المصير المشترك والقدر المشترك...

الآن أوان الاجتماع، والحوار، والاتفاق، والتسوية، واسترجاع الدولة كي نعود كلنا مواطنين صالحين.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط