.
.
.
.

على قلب رجل واحد

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

كان الأسبوعان الماضيان من الصعوبة بمكان، زمن الأزمات حل، وتراكم، وبدا الخريف كأنه لا يعبر عن أحوال الطقس، ومن ثم تساقط أوراق الشجر، وإنما يقظة على ما كان حلما ولّى وراح. جاءت أزمة «الجنيه المصرى» الشهيرة بأزمة الدولار وكأنها تشهر إفلاسا قبل أن يأتى، وأظهرت الأمطار عورات كثيرة، من أول أحوال البنية الأساسية وحتى ما نعرفه عن حالة «المحليات»، وكان مجموعهما ترويع وشلل. لم تكن السماء تمطر ماء فقط، ولكن أتبعته بسقوط الطائرة الروسية التى جسدت مجموعة من الأزمات المتشابكة، بعضها مع العالم، وبعضها الآخر مع أنفسنا، وكيف نتعامل مع أوضاع معقدة لم يكن فيها الأمن والأمان فى أفضل حال.

لم تكن «السياحة» وحدها فى الميزان، فقد كان هناك كرامة البلاد، وفى لحظات بدا وكأن مصر تترنح مرتبكة بين فعل وآخر. لم ننتهِ من أحوال الطبيعة حتى سقطت كالهراوة فوق الرؤوس ما جرى للمهندس صلاح دياب الذى تعرفه الدولة كرجل أعمال فقط، ويعرفه الناس صاحبا لـ«المصرى اليوم» وأعرفه شخصيا صديقا ومفكرا لا تكف عينيه عن اللمعان كلما أطلق فكرة تكفى لجلب ملايين الدولارات، وتنمية آلاف الحقول، وبناء مئات المصانع، وتوزيع صحف كثيرة. انفتح الستار عن واحدة من أفلام الرعب، وتحدث أحدنا عن «الرسالة التى وصلت»، وكتب آخرون عن «زوار الفجر»، وأدخل الزميل حمدى رزق دون ومايكل كورنيوللى إلى أرض قلقة. كان هناك بعض من الموسيقى التصويرية التى تعزف فيها نغمات أنواع لا تحد من المؤامرات، والقبض على حسام بهجت، ومستقبل لم تعد تظهر له شمس ولا يضىء فيه قمر.

لم يكن الحال بمثل هذا السوء الذى تصورته وتصوره كثرة آخرون، ولكن بشكل ما بدا أن عرى الوطن تتعرض لاختبار كبير نجحت فيه بعد انسحاب المياه من الشوارع، والاستيقاظ على عصر ما بعد أزمة الطائرة الروسية على كلمات من «محمد منير» أن ما نحن بصدده ليس قضية «السياحة»، ولكنها كرامة وطن. ولا أدرى لماذا ألحت على كلمات سمعتها من الرئيس السيسى- وزير الدفاع آنذاك- على مسرح الجلاء فى يوم ٢٣ يونيو ٢٠١٣ حينما كانت الغيوم تتجمع بين من اجتمعوا من الإخوان وحلفائهم فى الشوارع والميادين منذرين متوعدين قبل يومين، ومن بدأت أصواتهم تصل من المستقبل حول ثورتهم الثانية بعد أيام سبع فى ٣٠ يونيو. جاءت الكلمات فى لحظات منذرة أن المخرج هو أن نكون على قلب رجل واحد لإنقاذ الوطن. ساعتها كان قلب الرجل الواحد مفتوحا على مصراعيه، أنه ومعه القوات المسلحة لن تسمح باستباحة الشعب المصرى، ولن تسمح باستباحة الدولة المصرية. بعد ذلك نعرف ما جرى من أول خريطة الطريق، ثم التفويض، انتهاء بالحرب ضد الإرهاب، والتأكيد تلو التأكيد على بناء الوطن.

بشكل ما، فإن الناس كانت على قلب رجل واحد لأنها ببساطة كانت تعرف القلب وما فيه، وجاء الهوى على قدر ما ظهر، وفى لحظات بدا أن أياما لاحقة سوف تكون أفضل بكثير من أيام سابقة. لذلك كان الأسبوعان الماضيان من الصعوبة بمكان، أحيانا لأن الواقع كان صعبا سيئا، وأحيانا رغم الصعوبة والسوء، فإن القضية كانت، كما قال منير، أن الكرامة مهددة. والحقيقة أنه لم يعجبنى من كل شعارات ثورة يناير شعار مثل «الكرامة الإنسانية» الذى على وضوحه الشديد فإنه بالغ الغموض لأنه يتعلق بدواخل الإنسان، والأوطان، والقدرة والعجز، والصلابة والرخاوة. هو بالتأكيد ما نحتاج اكتشافه بشدة لكى نلتقى عليه على قلب رجل واحد.

ورغم أن كثيرا من الصعوبات انفكت، وانحسر الماء، وخرج المهندسان صلاح وتوفيق دياب، ومعهما حسام بهجت من القيد، إلا أن قدرا هائلا من الوجل لا يزال باقيا من قادم الأيام. الحل يبدو ماثلا فى أن نكون على قلب رجل واحد لتحقيق الكرامة الإنسانية، ولكن الأحرار لا يكونون كذلك إلا إذا عرفوا ما يوجد فى القلب، ويصدقه العقل، وتشاهده الأزمنة.

وبصراحة فإنه لا كرامة لإنسان محاصر ما بين الإرهاب والتطرف وتهديد العودة إلى قرون ظلام سابقة، والواقع الإقليمى المرعب والمكون من دول فاشلة من ناحية، والواقع الذى عشناه خلال الفترة القصيرة الماضية من ناحية أخرى. مثل هذه الحالة من الحصار تنتزع من الإنسان المصرى كل الطاقات الإيجابية التى تجعله مساهما فى بناء مصر. ولا يمكن كسر هذه الحلقة الجهنمية من الاختيارات المرعبة، ما لم نصل إلى كلمة سواء حول ما نريده لهذا الوطن، ولتكن البداية كما كانت فى ٢٣ يونيو، و٣ يوليو، و٢٦ يوليو ٢٠١٣ هو أن يعلن الرئيس السيسى استراتيجيته لإصلاح البلاد فى الداخل، والتعامل الفعال مع الخارج. هناك الكثير من الأفكار المبعثرة حول الإصلاح الاقتصادى تتداخل فيها المشروعات العملاقة، مع سد ما تيسر من ثغرات فى الاقتصاد المصرى، مع التأكيد أحيانا والغموض أحيانا أخرى فيما تعلق باقتصاد السوق، بينما تريد الدولة التدخل فى كل الأمور الاقتصادية، ومع كل ذلك أسئلة ملحة حول مواردنا المالية وحتى مواردنا المائية. وهناك أفكار أخرى، ليست فى غزارة الأولى عن الإصلاح الاجتماعى، ولكن الندرة بادية فى كيف نبنى رأس المال الاجتماعى، بينما القوانين مقيدة وغير مشجعة، بل إن الحديث عنها يبدو أحيانا وكأن فيه من الشيطان مس. ورغم أكثر الأفكار شجاعة فى ضروة الإصلاح والتجديد الدينى، بل حتى الثورة الدينية، فإن غنى الأفكار لا يمنع البحث عن الوسائل والآليات، أليست هذه هى الاستراتيجية؟!

هناك الكثير من النوايا الطيبة، ولكن الخبرة التاريخية تخلق الكثير من الشكوك والهواجس، وعلى أى الأحوال فإن الوقت مناسب بالتأكيد، فلا توجد لحظة أكثر مناسبة من لحظة انتخاب المجلس النيابى التى هى فى كل بلدان العالم لحظة الإفصاح عن الاستراتيجيات والخطط. أسوأ ما نفعله أن نستمر على ما نحن عليه، حيث نعيش شعارات كبرى حميمة من أول حب مصر، وحتى تحيا مصر دون أن نعرف على وجه التحديد كيف نترجم ذلك إلى واقع له علاقة بالزمن، أى استراتيجية وخطط للعمل. ببساطة ما الذى نريد تحقيقه على وجه التحديد، وكيف؟. ما هى معدلات النمو التى نريد تحقيقها، وكيف سوف نجعل الشعب أكثر مشاركة وأعظم فعالية من كل وقت مضى؟ وأفضل ما نفعله الشفافية، ما نستطيع عمله، وما لا نستطيع، ما سوف نفعله الآن، وما سوف نؤجلة لغد، وما سوف نتركة للأجيال القادمة. إذا كان ما هو مشجع فى كل ما سبق فهو أنه كان هناك إعلان عن تغيرات أساسية فى الشعب المصرى ظهرت خلال الفترة القصيرة الماضية فى تعبير منظمات واتحادات وجماعات منظمة ومقالات صحف، كانت أحيانا قاسية فى انتقادها للجهاز الحكومى عندما هطلت الأمطار، ساخنة فى تضامنها مع الدولة فى قضية الطائرة الروسية، قوية فى المؤازرة مع من جرحت كرامتهم، وعنيفة فى المعارضة للتجاوزات، وكما هى العادة ساخرة من كل ذلك فى ساحة التواصل الاجتماعى. لم تعد مصر كما كانت حتى قبل ذلك، وظهر ذلك ساعة خفض الدعم عن الطاقة، وساعة الدعوة لتمويل مشروع قناة السويس، وهى الآن تقف تنتظر استراتيجية لكى تكون على قلب رجل واحد.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.