.
.
.
.

«كلّ مسلم خفير»

محمد علي فرحات

نشر في: آخر تحديث:

شعار «كلّ مسلم خفير» يصلح لحراك الأوروبيين المسلمين القلقين، مثل نظرائهم في أميركا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. فالإرهاب الذي يضرب باسم الإسلام تقع ضرباته عليهم بصورة خاصة، في علاقاتهم بجيرانهم في السكن وبزملائهم وزميلاتهم في أماكن الدراسة والعمل ولهو العطلة الأسبوعية.

كان سعيد تقي الدين والدكتور بشارة الدهان وفؤاد عمون ووفيق الطيبي وتوفيق عساف وآخرون أسسوا في لبنان «كل مواطن خفير»، وهي لجنة أهلية (تندرج بحسب تعابيرنا الراهنة في سياق «مؤسسات المجتمع المدني») للمحافظة على تضامن المجتمع اللبناني في وجه التأثير الإسرائيلي (أنشأ الدهان مستشفى ميدانياً في حيفا عام 1948 ثم نقله إلى الضفة اللبنانية من الحدود) وفي وجه الشرخ الطائفي الذي رافق الوحدة المصرية- السورية عام 1958 وانفجر في صيف ذلك العام.

كل مسلم خفير في بلدان اكتسب جنسيتها وارتضى الانتماء إليها وتطبيق قوانينها، وهو خفير ليس بصفته مواطناً فحسب وإنما بصفته مسلماً أيضاً، في مرحلة يخطف فيها الإسلام السياسي ونظيره العسكري إيمان مسلمي العالم، محمّلاً إياهم مسؤولية مجازر بحق أبرياء يرتكبها مجرمون يوالون «خليفة» أو «مرشداً»، في محاولة لإرهاب العالم أو فرض «أستاذيتهم» عليه، بحسب التعبير «الإخواني».

كل مسلم خفير على وطنه الذي ارتضاه وعلى إيمانه الذي يمارسه بلا عوائق باعتباره حقاً في دول قائمة على الديموقراطية واحترام التنوع الديني والثقافي والعرقي، وهو بالتالي خفير على الاجتماع الإنساني الحر الذي يعمل الإسلامان السياسي والعسكري على ضربه وقسمة العالم إلى دار إسلام ودار كفر، وكذلك منع اختلاط البشر وتبادل الأفكار والتجارب في سياق رجعة إلى بدائية تطفئ شعلة الإيمان بأنفاس عبودية مشتهاة.

الخطر جدّي، تتلمّسه النخب في بلاد العالم وعامة الناس، وهؤلاء لا وقت لديهم للتفريق بين إسلام معتدل وآخر متطرّف، لذلك يتصرّفون وفق ما يرون ويسمعون: صورة الإسلام «داعشية» عدوانية قاتلة بلا رحمة وتدعو علناً إلى تنغيص حياة البشر والقضاء على الحضارة، منذ الآشوريين وحتى الإنجازات الحديثة والمعاصرة التي أرساها الأوروبيون والأميركيون. من هنا ضرورة «كل مسلم خفير» لدفع غزوات الإرهابيين العمياء والمحافظة أيضاً وأيضاً على الإيمان الإسلامي الذي يتعرض موسمياً لهجمات بربرية باسم الإسلام نفسه، وهو ما يفسّر فترات الانقطاع في الحضارة العربية الإسلامية، حين كان يأتي من يهدم معالمها باسم قائد مقدّس، ولنقل باسم صنم مقدّس ينتقم لأصنام الجاهلية بإفساد إيمان المسلمين وتحويلهم إلى عبيد.

كل مسلم خفير، ليدافع المسلمون عن أوطانهم، عن وجودهم كبشر أسوياء، وأيضاً عن دينهم كفعل إيمان ومحبة لا فعل قسمة وكراهية. وهذا مطلوب من المسلمين المدنيين ومن أصحاب العمائم الذين حين نسألهم يجيبون، مع الأسف، بالعموميات أو بالتبريرات أو يلجأون إلى الصمت. وكم كان معبّراً كلام شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب قبل يومين عن خوف الفقهاء المجتهدين من طغيان أصحاب فتاوى التطرُّف والقوى التي تقف خلفهم.

كل مسلم خفير في التصدي لمشكلة اختلقها المسلمون لأنفسهم باستخدام أبدية الإيمان في اليومي العابر المتغيّر. أما مجتمعات أوروبا وسائر الغرب فتعتبر القتل باسم الإسلام تعبيراً عن مشكلة اندماج لدى جالياتها، وعن شعور حاد بالاغتراب مبعثه الخلط بين ثقافة الوطن الأم ودين الوطن الأم.

وربما ساهم في حل هذه المشكلة إنشاء نوادٍ ثقافية مغاربية في باريس، مثلاً، في موازاة المساجد والمصليات، فتكون الثقافة أرضية ملموسة لاسماوية إيمانية شعورية... والجاليات في مجتمعات متعددة تتفاهم دائماً في الملموس.

كل مسلم خفير للحيلولة دون تهميش الإيمان ولمنع إحراقه بلهب الإسلام المتعسكر. وكل مسلم خفير لنقدّم الإسلام الى العالم كما هو لا كما يترجمه المجرمون.

نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.