.
.
.
.

مصر بين أمريكا وروسيا

محمد كمال

نشر في: آخر تحديث:

يشعر غالبية المصريين بالغضب والإحباط من موقف كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بخصوص حادث طائرة شرم الشيخ. الولايات المتحدة كانت مصدر التسريب بأن سقوط الطائرة كان وراءه عمل إرهابى. التسريب الأمريكى تم دون تنسيق أو تشاور مع مصر، ودون إطلاع المصريين على المعلومات الاستخبارية التى وصلت منها أمريكا لهذه النتيجة، رغم الحديث عن «العلاقات الاستراتيجية» بين البلدين، وتاريخ من التعاون الوثيق فى مجال المخابرات وتبادل المعلومات. أما عن روسيا، فبالرغم من مساندتها المبدئية للتفسير المصرى لحادث الطائرة، إلا أنها سرعان ما أوقفت رحلاتها لشرم الشيخ، بل منعت «مصر للطيران» من الهبوط فى المطارات الروسية.

كيف نفهم الموقفين الأمريكى والروسى، وما هى الطريقة الفضلى للتعامل معهما؟ وكيف ندير توقعات الناس بشأن العلاقات مع هذين البلدين وسياستنا الخارجية بشكل عام؟ الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب أن نأخذ فى الاعتبار الملاحظات التالية:

أولا: لدى كثير منا خطأ فى تقدير موقف روسيا تجاه الولايات المتحدة والغرب، واعتقاد أن روسيا فى عهد بوتين تسعى لمناطحة الولايات المتحدة واستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتى فى مواجهة أمريكا. هذا الاعتقاد غير صحيح، وبوتين نفسه أعلن أنه لا يسعى لعودة القطبية الثنائية أو الدخول فى مواجهة مع الغرب، ولكنه يؤمن بعالم متعدد الأقطاب، ويريد من الغرب أن يعترف بروسيا كأحد هذه الأقطاب. وبالرغم من الخلاف مع الولايات المتحدة حول أوكرانيا، إلا أن هناك تفاهمات أمريكية روسية حول العديد من القضايا منها مكافحة الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل، وأوروبا الغربية هى الشريك التجارى والاستثمارى الأول لروسيا.

ثانيا: بالنسبة للموقف الأمريكى، علينا أن ندرك أنه وبرغم استئناف المعونة العسكرية، إلا أن إدارة أوباما ماتزال غير راضية عن تطورات الأحداث فى مصر منذ 30 يونيو 2013 ولا ترى أنها المسار السليم، ولديها قناعة بضرورة دمج الإخوان فى النظام السياسى. هذه الأفكار سوف تجعلنا نتشكك دائما فى نوايا أوباما الحقيقية تجاه مصر.

ثالثا: علينا ان نتوقف عن النظر إلى علاقتنا مع الدول الكبرى على أنها «مباراة صفرية» ما نكسبه من أحدها سنخسره من الآخر، وأن نبتعد عن استخدام أوصاف «التحالف» أو «العلاقة الاستراتيجية» مع هذه الدول. والأفضل أن نستعير من لغة الاقتصاد مفهوم «الاستثمار المشترك» Joint Venture للتعبير عن هذه العلاقات (كما يتم وصف العلاقات الأمريكية الهندية). هذا المفهوم يعنى التركيز على المصالح المشتركة وليس بالضرورة الاتفاق حول كل النقاط، وأن تكون هناك آلية واضحة للتعامل مع الخلافات الموجودة والمتوقعة. هذا المفهوم سيساعدنا أيضا على إدارة أفضل لتوقعات المصريين من العلاقات مع الدول الكبرى تقوم على الواقعية وليس المثالية.

رابعا: علينا أن نتبنى «تحول هيكلى» فى مستقبل علاقتنا مع الولايات المتحدة الأمريكية. وكما أدت اتفاقية كامب ديفيد إلى تحول هيكلى فى التعاون العسكرى بين البلدين، فعلينا الآن العمل على فتح آفاق جديدة لهذه العلاقة كى تخدم «النمو الاقتصادى»، وهو القضية الأهم فى مصر اليوم، وذلك بإعادة النظر فى حجم وطبيعة المعونة الاقتصادية، وفتح الأسواق الأمريكية للمنتجات المصرية، وزيادة التعاون فى التنمية البشرية، والبحث والتكنولوجيا.

خامسا: لابد من أن يصبح الاقتصاد هو أولوية التحرك الخارجى، وأن ترتبط زيارات كبار المسؤولين للخارج بالإعلان عن الاتفاق على مشاريع تنموية وفرص استثمارية. ويرتبط بهذا الهدف ضرورة بناء توافق مصرى داخلى حول برنامج للإصلاح الاقتصادى، وتوضيح طبيعة دور الدولة والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبى فى هذا البرنامج.

وأخيرا، لابد من تبنى مفهوم «الاستقلالية» فى السياسية الخارجية المصرية، وهو المفهوم الذى فقدناه فى الستينات بالتحالف مع الاتحاد السوفيتى، ومنذ السبعينات بالتحالف مع الولايات المتحدة. العالم أكبر من روسيا وأمريكا، ومصر أكبر وأهم من أن يتم التعامل معها على أنها مجرد حليف لدولة كبرى، أيا كانت هذه الدولة.

نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.