.
.
.
.

«ميانمار» قياساً بتركيا وإيران

حازم صاغية

نشر في: آخر تحديث:

يبدو أن ميانمار (بورما سابقاً)، بسكّانها البالغين قرابة 55 مليوناً، بدأت تنفض عنها غبار الاستبداد العسكري وتفتح صفحة جديدة من تاريخها. فقبل أيام أجريت انتخابات كثيراً ما انتُظرت، ولأنها كذلك استحوذت على اهتمام عالمي واسع. ذاك أنها كانت الانتخابات الأكثر ديمقراطية في ذاك البلد منذ 25 سنة، وبنتيجتها فازت «الرابطة الوطنية للديمقراطية» التي تتزعمها قائدة المعارضة «أونغ سان سو كي»، بأكثرية حاسمة. أما الحزب المدعوم من العسكر، «حزب اتحاد التضامن والتنمية»، فمُني بهزيمة قد تودي به لاحقاً.

صحيح أن الجيش مهّد لهذه الانتخابات بفرضه ما أسماه ضمانات دستورية، يحتفظ بموجبها الممثلون العسكريون غير المنتخبين بربع المقاعد البرلمانية، ويكون لهم حق «الفيتو» على أي تغيير دستوري. إلا أن من الواضح أن النتائج التي أثمرتها الانتخابات الأخيرة ستحد كثيراً من قدرتهم على إبقاء ما يسمونه بـ«الديمقراطية المنضبطة».

والحال أن الانتقال إلى الانتخابات مرّ في طريق طويل ومتعرج: فانتخابات 1990 حين حصل حزب «الرابطة» المعارض على 392 صوتاً من أصل 492، ألغيت نتائجها، واستمر التعطيل السياسي مذّاك حتى 2011 حين اضطر العسكر، تحت وطأة الضغوط العالمية الكثيفة، إلى اعتماد واجهة مدنية مثلها له «حزب اتحاد التضامن والتنمية».

وفي هذه الغضون لمع اسم «أونغ سان سو كي» التي باتت ذات قامة دولية بالغة التأثير في الرأي العام الغربي، ولاسيما وقد مُنحت في 1991 جائزة نوبل للسلام. و«سو كي» ارتبط باسمها -هي المتأثرة بأفكار النضال السلمي والمدني للمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ- أن العسكر أبقاها طوال 15 سنة حبيسة الإقامة الجبرية في منزلها.

وعلى العموم بات يمكن القول إن ميانمار التحقت بوجهة البلدان الأخرى التي تأخرت عنها في جنوب شرق آسيا، وهي الانتقال من الحكم العسكري المصحوب باقتصاد السوق إلى الديمقراطية البرلمانية.

وفي المقابل يقدم غرب آسيا، من خلال بلديه الأكبر تركيا وإيران، نموذجين شديدي التباين عن نموذج جنوب شرق آسيا الذي كانت ميانمار آخر تجلياته.

ففي تركيا حصل شيء مشابه بوصول «حزب العدالة والتنمية» إلى السلطة في 2002 بعد عقود من «ديمقراطية منضبطة»، حيث نفّذ الجيش ثلاثة انقلابات عسكرية في 1961 و1971 و1980 بحجة التخلص من الإرهاب. وبهذا فإنه حال طويلاً دون حياة سياسية وديمقراطية صحية. لكن التحول الذي جسده انتصار «العدالة والتنمية» يبدو مهدداً بالانتكاس، وذلك بسبب «الاستبداد الديمقراطي» الذي يمارسه زعيمه رجب طيب أردوغان. وإذا صح أن الانتخابات الأخيرة أمنت للحزب المذكور الأغلبية التي يسعى إليها، والتي يراد منها تعديل الدستور لمنح رئيس الجمهورية صلاحيات إضافية، فالصحيح أيضاً أن هذا الانتصار ما كان ليتحقق لولا استثارة أجواء كارثية وشديدة الاستقطاب في البلاد. وهذا على عمومه ليس مبعث اطمئنان في ما يخص مستقبل الديمقراطية في تركيا.

أما إيران، في المقابل، فبدل أن يمهد حكم الشاه المديد، بما فيه من قمع وما فيه من إصلاحات في الوقت عينه، إلى حكم ديمقراطي طمح بعض الإيرانيين إلى بلوغه عام 1979، أدت الثورة الخمينية عامذاك إلى مضاعفة المسافة التي تفصل إيران عن التحول الديمقراطي، منقلبةً على الإنجازين الأكبر لعهد الشاه، أي أوضاع النساء والإصلاحات الزراعية التي طالت أراضي المؤسسة الدينية.. ودوماً سيكون من المفيد التفكير في هذه النماذج وإعمال المقارنات بينها.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.