.
.
.
.

إزيكم.. كيفنكم أنا لى زمان ما شفتكم

حمدي رزق

نشر في: آخر تحديث:

فى شارع محمد فريد مطعم فريد اسمه «التكل» يقدم الطعام من المطبخ السودانى الحريف، بطعم البهار، كم أحب الطعام السودانى، وأعشق النية والشية، بفتح النون والشين، والكسرة بالمولاح، وأحبس بالجبنة، بفتح الجيم، قهوة السودان العربية مرة المذاق، وأرطب بعد صيام رمضانى بالحلو والمر، ومر السودان حلو فى فمى دوما، وحلو السودان أبدا لم يترك غصة فى نفسى، وبلاد السودان أوطانى وكل السودان إخوانى، وأقول من كل قلبى لكل شقيق «أرح» استرح يا حبيبى، ما بينى وبينك أقوى من زفرة عابرة تلفح الوجوه وتعبر الحدود.

جل عمرى الصحفى وأنا فى قلب السودان، وعاصمتى بعد القاهرة هى العاصمة المثلثة، فيها أستريح، ولى فى السودان أحبة وعلى وصال، وأحفظ عن ظهر قلب بعضاً من «أغانى الحقيبة» التى لربما لا يحفظها جيل سودانى جديد، ولم أفوت حفلة لصديقى الجميل «شرحبيل أحمد» فى دار الأوبرا المصرية، ومتابع جيد لأحدث أغانى جمال فرفور ومحمود عبدالعزيز، ويطربنى صوت «حنان النيل»، والسفارة السودانية أقرب إلى قدمى من أى سفارة أخرى، فيها أحبة، وبيننا صلة رحم ودم، والدم ميبقاش مية.

والتقيت كل القادة السودانيين، معارضين وحكاماً، وجولاتى الحوارية مع الإمام الصادق لا تُحصى، ونادر الحديث من مولانا محمد عثمان الميرغنى خصنى به، وبينى والرئيس عمر البشير على الأقل ثلاثة حوارات منشورة، وبينى وبين العابرين على كوبرى «شمبات» الكثير، من دمى ولحمى.

السودان أحبها من كل روحى ودمى، وأعرف كثيراً من قادة الفكر والرأى والصحافة والإعلام، ولفترة ليست بالقصيرة كنت أكتب فى صحف السودان، وكانوا يسموننى «الزول المصرى»، وياما جلست فى إشراقة التيجانى يوسف بشير، وذات مرة مثلت بين يدى سيدى البرعى، واقتربت من رئاسات الختمية، وزعامات الأنصار، وقضيت أكثر من رمضان فى «البقعة» بأم درمان، حيث مهرجان الطرق الصوفية والأوراد والأذكار، وطعمت من الحولية، وجُلت مراراً فى سوق «أم درمان» وتنشقت البهار، وشربت الكركديه الأبيض، وحُزت سيفاً عتيقاً من بازار فى السوق القديم.

لا أتخيل أن توصد أبواب الخرطوم فى وجهى أبدا، وأبوابها لا تغلق أبدا، ولا أحتمل غضباً سودانياً من بلدى مصر، ولا أقف مكتوف الأيدى وعبث العقورين على الفيس بالعلاقات المروية بماء النيل، وهنا وهناك من لا يرعوى لطبائع العلاقات والوشائج ويمزق النسيج، وخصوصية الجوار وامتداد الماضى والحاضر والمستقبل على شاطئ جزيرة «توتى» الساحرة.

لا يمكن «للمقرن» التاريخى أن يحوله البعض إلى «مفرق» تاريخى، بئس ما يفعلون، من يحب السودان مثلى فليكف عن الأذى، ومن يحب مصر فليكف عن الأذى، ومن يملك كلمة حلوة، حلو الكلام، تطييب الخواطر مطلوب، والسودانى طيب من أصل طيب لم يلوث النهر، كلمة طيبة تجبر الخواطر، طيبوا الخواطر أولاً، أما المشاكل السياسية العالقة فاتركوها لأهل السياسة، ربنا يلهمهم الصواب فى حلها.

خمسة ملايين سودانى بين ظهرانينا، خمسة ملايين أخ وخال وعم، خمسة ملايين لا تفرقهم أبدا روحاً ودماً عن المصريين، دمهم خفيف، جميل وأسمر، أذكر مقولة سودانية شائعة «مصر والسودان حتة واحدة»، من ذا الذى يمزقها مائة حتة، من له مصلحة فى تعكير الصفو.. أتردون الماء صفواً وإن يكدر وردى.

لو جُرح قدم سودانى تألم له الجسد المصرى بالسهر والحمى، فلنرفع جميعاً الأقلام، ولنطوِ الصحف، ولكل سودانى فى القلب مكان، ولكل مصرى فى القلب مكان، هو إحنا فرقنا، ومتى افترقنا، «حقكم عليا» هو ما أملك من حب للزول الحبيب، وعلى نغم سيد خليفة، إزيكم.. كيفنكم أنا لى زمان ما شفتكم.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.