خطورة التجرؤ على محارم الله تعالى

شوقي علام
شوقي علام
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

أحاط الدين الإنسان بسياج من التكاليف الشرعية التى تقيه من الانزلاق إلى ما يضره ويؤدى به إلى الهلكة والوقوع فى الآثام، ولا ريب أن التكاليف متسقة مع طبيعة الفطرة السوية التى فطر الناس عليها، كما جاء فى الحديث الشريف: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (متفقٌ عليه).

ثم يأتى دور التربية الأسرية والبيئة المجتمعية التى قد تؤثر على السلوك الإنسانى سلبًا، ومن ثَمَّ يحيد الإنسان عن الطريق القويم، وهذه الفطرة متغلغلة فى القلب الذى يمثل الدالة والبوصلة التى ترشد الإنسان وتعطيه قدرًا من التنبيهات عندما يقترب من السلوك السيئ، كما جاء فى الحديث الشريف: «الإثم ما حاك فى صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس» (صحيح مسلم/ 2553).

فسلامة الصدر هى الأساس فى وجود هذه الدالة المحركة للضمير الإنسانى عندما تأخذ المرء مغريات الحياة بعيدًا عن السلوك الصحيح، فهى تعطيه من إشارات وخز الضمير حتى يرجع عما عزم على ارتكابه، أو يصيبه الندم على ما فعل بعد وقوع المخالفة.

ولا ريب أن هذه الحالة تندرج ضمن الحالة الصحية لسلامة النفس، وهى حالة النفس اللوامة التى تأخذ بيد صاحبها إلى أن يظل فى حظيرة التشريع، حتى إنه إذا ابتعد عنها فسرعان ما يعود إليها.

وتتولد هذه الحالة لدى الإنسان بفعل عوامل متعددة، منها: التربية الأسرية والمجتمعية القائمة على مراعاة حدود الله ومحارمه، وكلما تعمقت هذه التربية وقامت على الصدق والأمانة والتخلى عن الآثام والمعاصى وما حرمه الله تعالى، زادت قوة الضمير وعمق الإيمان المانع من اقتراف ما حرمه الشرع الحنيف، واندفعت حالة اللامبالاه التى قد تعترى الإنسان فيأتى المنكرات ويفعل المعاصى دون رقابة حقيقية من ضمير أو قلب حى نابض، تعبيرًا عما وقر فى قلبه واستقر من تربية حميدة.

وهذا أحد خمس خصال أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا أبا هريرة رضى الله عنه حين قال له: «اتق المحارم تكن أعبد الناس» (سنن الترمذى/ 2305)؛ فاتقاء المحارم يثمر عن الرقى إلى الرتب العليا فى الدائرة الإيمانية، حيث إنه صلى الله عليه وسلم وصف المحافظ عليه بأنه «أعبد الناس».

وكما أن لكل شخص أملاكا لها حدود تحميها عن الناس، وتمنعهم دخولها، ومن دخلها فقد أساء وظلم نفسه، فإن لله تعالى حمى وهى محارمه، أى: الأمور التى حرمها الله، فمن دخل محارم الله بارتكابه شيئا من المعاصى عرض نفسه للعقوبة، ومن اقترب يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه فلم يقاربه ولم يتعلق بشىء يقربه من المعصية فقد أراح نفسه وباعد بينه وبين الشبهات، قال صلى الله عليه وسلم: «من وقع فى الشبهات: كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله فى أرضه محارمه» (متفقٌ عليه)

ولهذا كان النموذج والقدوة من الأمور المهمة فى التشريع لتحصل التربية الفعلية قبل القولية فى إيجاد المجتمع الفاضل النقى الطاهر، وهذه أوصاف وأهداف عليا فى الاجتماع البشرى يتحتم حصولها حتى يكثر الخير ويقل الشر، وكان المثل الأعلى لنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذى أمرنا الله تعالى باتخاذه قدوة لنا فى مختلف أحوالنا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].

وفى ذلك حصانة مجتمعية وأمن فكرى للأمة خاصة شبابها من إثارة الغرائز الكامنة وإشاعة الفاحشة فيما يذاع من برامج مشاهدة فيها من التجرؤ على محارم الله تعالى ما لا يحصى، من الدعوة الصريحة المخالفة للشرع الحنيف، حيث الدعوة إلى مشاهدة الأفلام الإباحية بزعم أن يريح الشباب أنفسهم من عناء غرائزهم الجنسية.

وهى بلا شك دعوة خطرة غير محمودة العواقب، من ناحيتين: الأولى مخالفة النصوص الشرعية التى تدعو إلى التحلى بالأخلاق الفاضلة والتخلى عن الرذائل وما قرب منها وأدى إليها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، فقد ورد النهى هنا على مقدمات الزنا، فيكون النهى واردا عليه من باب أولى، وقد تقرر فى القواعد أن الوسائل لها حكم الغايات، وأن مقدمة الحرام حرام ومقدمة الواجب واجبة، والغرض من ذلك كله أن يمتد الواجب والتحريم إلى المقدمات؛ لأنه إذا لم يمتد فإننا نفقد جانبا كبيرا لازما لتمام الحكم الشرعى، وفقدانه يؤدى إلى الإخلال بالمقصود الشرعى من التكليف.

ومن ناحية ثانية فإن الغريزة الجنسية التى ركبها الخالق فى الإنسان إنما كانت لتحقيق بقاء النوع الإنسانى على نحو صحيح، وقد نظم التشريع هذه الغريزة تنظيما دقيقا، فلم يجز إفراغها إلا فى إطار عقد شرعى يجمع بين رجل وامرأة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 5- 7]، هذا فضلا عن الأضرار الخطيرة فيما يتعلق بصحة الإنسان وعلاقته لزوجه كما أثبت الطب ذلك.

والخلاصة أن لإذاعة الأفعال القبيحة ومخاطبة الغرائز لاقتراف الأمور المحرمة جدًّا أو هزلًا مفسدة أخلاقية عظيمة ومخالفة شرعية جسيمة؛ فإن مما يدفع الناس عن ارتكاب محارم الله خوفهم من ربهم وتهيبهم من وقوعها وما يلحق فاعليها من سوء السمعة والسيرة، ومن ثَمَّ يصرف تفكيرهم عن تذكرها فضلا عن الإقدام عليها شيئًا فشيئًا، حتى تكون صورها عدمًا فى طى النسيان.
نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط