التدخل الإيراني في اليمن ومآلات الأزمة اليمنية
طـُرحت أسئلة كثيرة حول الأزمة اليمنية وتداعياتها على اليمن كدولة عربية ذات سيادة، وعلى دول مجلس التعاون الخليجي كمنظومة إقليمية ساعية للأمن والسلام في وسط إقليمي مضطرب، وعلى العرب كأمة تواجه تهديدا في عروبتها وأمنها وسيادتها من قبل النظام الإيراني، وعلى العالم بأسره بإعتباره معنيا بالأمن والسلام في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية المشرفة على خطوط الملاحة العالمية ما بين الشرق والغرب. والإشارة هنا إلى مضيق باب المندب وخليج عدن وإمتداداتهما في بحر العرب والبحر الأحمر، علما بأن أكثر من 21 ألف سفينة تعبر مضيق باب المندب سنويا حاملة مالا يقل عن 10 بالمائة من تجارة العالم.
ومما لاشك فيه أن النظام الإيراني أدرك مبكرا ما يمثله اليمن لكل هذه الأطراف فقرر مد أصابعه إليه وإيجاد موطيء قدم له فيه. لقد عمل الايرانيون قبل سنوات طويلة، من اندلاع الإضطرابات والاحتجاجات التي عصفت باليمن بالتزامن مع ما سمي باحتجاجات الربيع العربي في عام 2011، وبنفس وصبر طويلين يجيدهما صانع السجادة الفارسية المتقنة من أجل تأسيس قاعدة لهم في اليمن ضمن سياسة تصدير الثورة التي أعلنها الخميني بعد وقت قصير من نجاح ثورته "الإسلامية" في عام 1979. فقاموا بتهريب الأسلحة إلى أنصارهم من الحوثيين على دفعات ومن خلال سفن صغيرة لأغراض التمويه. وكانت هذه السفن تبحر من الموانيء الإيرانية على الخليج وتنزل حمولتها من الأسلحة في إحدى الجزر الأريترية في البحر الأحمر، ومن ثم يعاد شحنها إلى ميناء ميدي الذي يعتبر من أقرب الموانيء اليمنية إلى معقل الحوثيين في محافظة صعدة.
وهذا الأمر كشف عنه المخلوع صالح بعد حربه السادسة ضد الحوثيين في منتصف عام 2009 حينما أخبر وسائل الإعلام عن إكتشاف السلطات اليمنية لمخابيء أسلحة كبيرة تابعة للحوثيين إيرانية المنشأ، مضيفا أنها شملت صواريخ قصيرة المدى ومدافع رشاشة وخلافها. كما كشف عن ذلك الرئيس عبدربه هادي في حادثة السفينة الإيرانية الشهيرة التي ضبطتها السلطات اليمنية في عرض البحر وهي في طريقها لتفريغ حمولتها من السلاح لصالح المتمردين الحوثيين. بل أن حكومة هادي تقدمت بطلب إلى مجلس الأمن للتحقيق في هذه القضية فقام المجلس بالنظر فيها فعلا، لكن دون أنْ يصدر قرارا بشأنها ربما بسبب عراقيل من جانب موسكو المتحالفة مع طهران أو ربما بسبب الموقف الامريكي المتواطيء والذي عبر عنه مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الأدني "جيفري فيلتمان" بالقول: "العديد من أصدقائنا حدثونا عن تدخل خارجي لدعم الحوثيين، وسمعنا عن نظريات حول دعم إيراني، لكننا لا نملك معلومات عن الموضوع من مصادر مستقلة".
يا سبحان الله!! أمريكا بجلال قدرتها وعظمتها وأقمارها الصناعية التي تراقب البر والبحر والجو لاتعرف شيئا عن القضية! وكأنما الممارسات الإيرانية لجهة تزويد انصارها بالسلاح أمر جديد! أو لكأنما لم تمارس طهران مثل هذه الألاعيب بصور ملتوية شتى في أكثر من بلد عربي لتحقيق نفس الأغراض والأهداف المشبوهة والمتمثلة أساسا في تمكين فئة من الناس الذين يدينون لها بالولاء المذهبي ضد الفئات الأخرى كي يكونوا معوانا لها في ساعة حاجتها إليهم للسطو على السلطة ورفع رايات ولاية الفقيه الايراني. وليس أدل على صحة ما نقول من ممارسات النظام الايراني في لبنان والعراق والبحرين.ناهيك عما كشفت عنه السلطات الكويتية في أغسطس 2015 على هامش ضبطها لكميات ضخمة من الاسلحة والذخابرة مطمورة في الارض داخل إحدى الاستراحات التابعة لكويتيين من أصول إيرانية، في ما عــُرف بخلية العبدلي.
قلنا أن النظام الإيراني تدخل في لبنان والعراق وسوريا والبحرين، لكن اليمن شكل لها إغراء خاصا لأسباب كثيرة. فالاستيلاء عليها وإدارتها من قبل جماعة موالية لها ولاء مذهبيا أعمى
يعني أولا نجاحها في زرع شوكة مذهبية في الخاصرة الجنوبية للمملكة العربية السعودية، خصوصا وأن السعودية هي المتصدية الكبرى للمخططات الإيرانية في المنطقة بدليل ما فعلته في البحرين حينما أفشلت ما أطلق عليه ثورة الدوار في يناير 2011 بقيادة إحدى الجمعيات الطائفية الموالية للولي الفقيه الإيراني، ومساندة من الجمعيات القومية والماركسية والبعثية من تلك التي باعت وطنها وكل تاريخها ومبادئها بثمن بخس، هذا ناهيك عما فعلته الرياض في مصر من خلال دعم نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي في مواجهة مخططات الإخوان المسلمين الذين منـّى الايرانيون أنفسهم ببقائهم في السلطة في القاهرة طويلا كي يفسحوا لهم المجال أمام التمدد الأخطبوطي في مفاصل كبرى الدول العربية.
ويعني ثانيا إستكمال الإيرانيين لهلالهم الشيعي المفترض الذي يضع جملة من البلاد العربية ذات الأغلبية السنية في فك كماشة مذهبية طائفية، فيكونوا بهذ الإنجاز قد خلقوا البيئة التي ترفرف عليها أعلام النصر المواتية لظهور الإمام الغائب. ألم يعلن الرئيس الايراني السابق محمود أحمدي نجاد من فوق منصة الأمم المتحدة في خريف عام 2005 أنه يتحدث وأمامه هالات وأنوار قدوم الإمام المهدي المنتظر؟ ثم ألم يكرر شيئا من ذلك بأقليم خراسان في شتاء 2010 حينما قال أن الثورة الايرانية جزء من الثورة العالمية التي من شأنها التمهيد لظهور الإمام المنتظر، مضيفا أن ما يؤخر ظهوره هو الولايات المتحدة وقوى الإستكبار العالمية؟ وألم يتبعه في ترديد هذه الخرافات والأساطير ثلة من المسئولين الايرانيين من أمثال حسين شريعتمداري مستشار المرشد الاعلى والمشرف العام على صحيفة كيهان الناطقة باسمه؟.
وطالما أتينا هنا على ذكر "الهلال الشيعي" ، فهو مصطلح يـُنسب للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وإستخدمه للمرة الأولى في مقابلة له مع صحيفة "واشنطون بوست" الامريكية في ديسمبر 2004 أثناء زيارته للولايات المتحدة، لكن المصطلح طاب للإيرانيين إستخدامه لاحقا بدليل إعتراف قائد الحرس الثوري الايراني اللواء محمد علي جعفري ــ في كلمة ألقاها بمناسبة ذكرى الشهداء في مايو 2015 ، من أن "تدخلات إيران في اليمن وسوريا تأتي في إطار توسيع خارطة الهلال الشيعي في المنطقة"، وأن "نظام الهيمنة الغربي بات يخشى من توسع الهلال الشيعي الذي يجمع ويوحد المسلمين في إيران وسوريا واليمن والعراق ولبنان"، بحسب قوله.
ويعني ثالثا سيطرة الحوثيين بالانابة عن نظام طهران الطائفي على الممرات البحرية والتجارية الاستراتيجية التي أتينا على ذكرها، وتحكمهم فيها خدمة لأغراض طهران وأهدافها المتمثلة في خنق الإقتصاد المصري وتهديد الأمن القومي العربي، والانطلاق من اليمن بسهولة ويسر نحو مد نفوذها إلى دول عربية أخرى مثل الصومال وجيبوتي والسودان، علما بأن الخميني وضع خطة واستثمر أموالا طائلة للإستيلاء على الصومال بــُعيد إنتهاء الحرب العراقية الايرانية منتهزا إضطراب الأوضاع في هذا البلد البائس، وما ظهور من يسمون أنفسهم بـ "حركة الشباب" على ساحة الحرب الأهلية الصومالية، والذين هم في واقع الأمر مجموعة من القراصنة التابعين للمحور الايراني، إلا ثمرة من ثمرات خطط الخميني المبكرة.
ويعني رابعا إمتلاك طهران لورقة ضغط جديدة إسمها الورقة اليمنية تضاف إلى أوراقها الأخرى في العراق وسوريا ولبنان وغزة، وتمنحها موقفا تفاوضيا قويا في مواجهة الجهات التي تسعى لتقليص نفوذها الإقليمي أو كبح جماح طموحاتها في إمتلاك السلاح النووي وتكنولوجيات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
***
إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة بعد كل ما جرى في اليمن هو ما هي العوامل التي ساعدت طهران على تدخلها في هذا القطر العربي؟ إذا ما أغفلنا عامل تمزق العرب، وإنصرافهم إلى خلافاتهم البينية، بدلا من اهتمامهم بمصالحهم وأمنهم القومي؟
لقد استغل النظام الإيراني الفقهي جملة من العوامل، منها ماهو متأصل في البيئة اليمنية، ومنها ماهو ناشيء عن خلل يعتري المجتمع الدولي وقواه الكبرى. ويمكن تخليص هذه العوامل في ما يلي:
مثلت الحركة الحوثية في اليمن ، التي أطلقت على نفسها إسم "أنصار الله" في تناغم واضح مع إسم الذراع الإيراني في لبنان ممثلا في "حزب الله" خير عون للنظام الإيراني في عملية بحثه عن موطيء قدم على الساحة اليمنية، بل بحثه أيضا عن مخلب يشاغب به المملكة العربية السعودية، خصوصا وأن الحوثيين لديهم تجربة في مقاتلة الجيش السعودي حينما اقتحموا منطقة الحدود السعودية اليمنية في الثاني من نوفمبر 2009 واشتبكوا مع قوات حرس الحدود السعودية.
إن الحركة الحوثية، التي لم ينتشر إسمها كثيرا في العالم العربي وفي وسائل الإعلام الأجنبية إلا منذ مشاركتها في إحتجاجات جموع الشعب اليمني ضد نظام حكم علي عبدالله صالح في عام 2011، ليست وليدة الأمس القريب وإنما يعود تاريخ نشأتها الأولى إلى عام 1986 حينما ظهر في محافظة صعدة بشمال اليمن ما سمي بـ "إتحاد الشباب" من أجل تدريس شباب المحافظة المذهب الزيدي الصحيح على نحو ما قيل، علما بأن هذا الكيان الثقافي تحول في عام 1992 إلى ما سمي بـ "منتدى الشباب المؤمن" على يد حسين الحوثي وشخص يدعى عبدالله عيضة الرزامي، ثم تطور إلى كيان سياسي لاحقا.
لا نريد هنا الانشغال بسرد تاريخ المراحل التي مرت بها الحركة الحوثية وكيفية تحولها من مشروع تربوي إلى مشروع سياسي، لكننا نود التأكيد على عدد من النقاط التي تبين حقيقة إرتباطها بإيران منذ سنوات نشأتها الأولى وكيف أنها تحولت إلى مشروع في خدمة الأهداف والمطامع الإيرانية في المنطقة. وأولى هذه النقاط أن الحوثيين ـ طبقا للعديد من المصادر اليمنية ـ هم طائفة شيعية إثني عشرية إنقلبت على التعاليم التقليدية للطائفة الزيدية المنتشرة في اليمن لأسباب وطموحات خاصة، وإنْ نفوا هذه الصفة عن أنفسهم قائلين إنهم يلتقون مع الشيعة الإثني عشرية في بعض المسائل فقط كالاحتفال بعيد الغدير وذكرى عاشوراء. وحتى لو صدقنا هذا النفي جدلا فإن الحوثيين يمكن وصفهم بـ "الجماعة الزيدية المتطرفة" أو الجماعة المارقة الخارجة على التعاليم الزيدية الصحيحة على حد وصف أحد شيوخهم المعتدلين وهو محمد بن عبد العظيم الحوثي الذي حكم عليهم بالردة، وإلا فإن الزيدية هي أقرب المذاهب إلى مذهب أهل السنة والجماعة وظلت طويلا في حالة وئام معها، بل أن مؤلفات شيخين من شيوخها وهما الإمامان الصنعاني والشوكاني تدرس ضمن مناهج المعاهد الدينية السنية في الدول العربية ومن بينها السعودية .
ومن المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن مؤسس الحركة الحوثية حسين الحوثي، الذي نجح في دخول البرلمان اليمني في انتخابات 1993 و1997 ، ثم قتل في عام 2004 في مواجهات مع القوات اليمنية، أورث زعامة الحركة الحوثية إلى والده "الشيخ بدر الدين الحوثي"، بدلا من أن يورثها إلى نائبه وشريكه عبدالله عيضة الرزامي، ويقال أن الحرس الثوري الايراني وحسن نصرالله اللبناني لعبا دورا في ذهاب قيادة الحركة الحوثية إلى الشيخ المسن بدر الدين الحوثي بدلا من الرزامي. ويمكن القول أن السبب هو أن بدر الدين الحوثي، على خلاف المرازي، كان قد سافر إلى طهران وقم وأقام بهما عدة سنوات، فتأثر بالمذهب الشيعي الإثني عشري والأفكار الخمينية والنموذج الإيراني في الحكم، بل وآمن بفكرة صلاحية هذا النموذج للتطبيق في اليمن، خصوصا وأن هذا النموذج يرفع شعارات لقت هوى في نفسه مثل المظلومية ومواجهة "المفسدين في الأرض" ومشروعية الخروج على الحاكم الظالم والتصدي للنفوذ الوهابي/ السعودي في المنطقة، إضافة بطبيعة الحال إلى الشعارالإيراني الأجوف وهو الموت لأمريكا وإسرائيل.
رأت طهران في حركة الإحتجاجات التي عمت عددا من أقطار العالم العربي ضد أنظمتها إنطلاقا من تونس في العام 2011 فرصة ذهبية لدس أنفها في شئون تلك الأقطار وركوب الموجة تأييدا للمحتجين وتعاطفا مع مطالب الثائرين، حتى إذا ما تمكنت الاحتجاجات من إسقاط النظام وإقامة نظام بديل كان له دالة على النظام الجديد. بل أن النظام الإيراني ذهب أبعد من ذلك حينما راحت قيادته تردد أن "ثورات الربيع العربي" استلهمت حركتها من "الثورة الاسلامية الايرانية" بقيادة الخميني. ففي أوج حركة الإحتجاجات الشعبية في تونس ضد نظام الرئيس بن علي وصف المرشد الأعلى علي خامنائي الحراك التونسي بـ "الصحوة الإسلامية"، وفي أوج إحتجاجات الشارع المصري ضد نظام الرئيس مبارك إعتلى خامنائي منبره مجددا ليقول أن الثورة المصرية مستوحاة من الثورة الايرانية في عام 1979. وفي هذا السياق يجدر بنا الإشارة إلى تعليق مجلة فورين بوليسي الامريكية في موقعها الالكتروني في شهر إبريل 2012 والذي جاء فيه "أن الترحيب الإيراني بثورات الربيع العربي لم يكن فرحا بها وإنما أملا في استغلالها لصالحها، ولكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف".
أما في البحرين فقد كانت إيران قاب قوسين أو أدنى للتدخل المباشر فيها من أجل دعم أنصارها من الانقلابيين، الذين أرادوا استنساخ ما حدث في تونس ومصر رغم إختلاف الظروف والمعطيات، لولا تحرك قوات درع الجزيرة في الوقت المناسب بطلب من الحكومة البحرينية. وهكذا نجد أن رهان طهران على الربيع العربي كان خاسرا في البحرين ومصر وتونس، بل أن صورتها كداعمة للمظلومين والساعين إلى الحرية تشوهت بموقفها المخزي من ثورة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد، واتضح للعالم أجمع أن نظام الملالي يكيل بمكيالين ويعمل فقط من أجل مصالحه الطائفية. ومما لاشك فيه أن خسارة طهران في تونس ومصر والبحرين معطوفة على تشوه صورتها من جراء موقفها من ثورة الشعب السوري جعلها تحول بوصلتها نحو اليمن، حيث كل المغريات التني أتينا على ذكرها سلفا، وحيث الحركة الحوثية التي لن تتجرأ على عصيان أوامرها إن قيل لها إنها أوامر نائب الإمام الغائب أي علي خامنائي، وحيث تتوفر الفرصة للإنتقام من السعودية التي أفشلت مخططاتها في البحرين ومصر.
طبقا للبروفسور طارق حبيب وهو استشاري في الطب النفسي وسبق له أن قام بتحليل شخصيات عدد من القادة العرب، فإن الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح من أذكى رجال السياسة، ولكنه شخصية سيكوباتية (Sycopatic person ) أي شخصية انتهازية ومراوغة ومخادعة ومتلونة بحسب الظروف، بل مستعدة لعمل أي شيء من أجل مصالحها ونفوذها حتى وإنْ كان ذلك على حساب مصلحة بلدها وشعبها.
ومثل هذا الكلام يمكن اسناده بعشرات الأدلة والشواهد. فبعيد الغزو العراقي للكويت وقف مع صدام حسين ضد السعودية والكويت، متناسيا الأفضال التنموية لهذين البلدين الخليجيين على بلده وشعبه طيلة عقود من الزمن، ومضحيا بمصالح أكثر من مليون يمني كانوا يعيشون ويعملون في السعودية ضمن وضعية خاصة لا تمنح للجنسيات العربية الأخرى. وحينما هزمت قوات التحالف العراق واخرجته من الكويت بالقوة في عام 1991 عاد يستجدي دول الخليج دون حياء أو خجل. وحينما سقط جريحا في انفجار مسجد النهدين الرئاسي في يونيو 2011 ، وكاد أن يلقى حتفه بسبب الحروقات التي طالت كامل جسده لم تنقذه سوى السعودية التي سخرت كل إمكانياته اللوجستية والطبية لنقله على وجه السرعة إلى الرياض حيث تلقى العلاج إلى حين شفائه، لكن الرجل لم يحفظ للسعوديين هذا الجميل فوقف ضدهم مجددا من خلال تحالفه مع الحوثيين وإيران. وفي واقعة أخرى تبرهن على ما ذهب إليه المحلل النفسي الدكتور طارق حبيب حول قدرة صالح على الخداع نجده يخون أولاد الشيخ عبدالله حسين الأحمر زعيم التجمع اليمني للإصلاح وهو الحزب الذي ظل حليفا استراتيجيا له طيلة سنوات حكمه، ويتنصل من إتفاقاته معهم، رعاية لمصالح وطموحات أولاده السلطوية، ويسعى لتفكيك قبيلة حاشد (أكبر القبائل اليمنية وينتمي إليها آل الأحمر)، لكنه يظهر بعد ذلك باكيا وحزينا أثناء تشييع الشيخ عبدالله حسين الأحمر. ويمكن أن نضيف في هذا السياق موقف صالح من واشنطون. فهو وقف ضد تدخلها في الكويت لتحريرها من الغزو العراقي، وصوّت مندوبه في مجلس الأمن عبدالله الأشعل ضد كل القرارات التي صاغتها الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات، لكنه عاد بعد نحو عقد من الزمن لخطب ودها ونيل دعمها للبقاء في السلطة، مستخدما ورقة مكافحة تنظيم القاعدة الإرهابي الذي تمكن من التسرب إلى اليمن.
إن وجود مثل هذه الشخصية السيكوباتية في اليمن على رأس حزب كبير متنفذ مثل حزب المؤتمر الشعبي، قد خدم الإيرانيين كثيرا. فالرجل ليس بالرئيس الذي يقبل الاستغناء عن سلطاته وزعامته بهذه السهولة بعدما وطد نفوذه على مدى ثلاثة عقود متواصلة وحظي بامتيازات لاحصر لها واستولى لنفسه واسرته على مليارات الدولارات من ثروة الشعب اليمني، خصوصا وأن علي عبدالله صالح وصل إلى السلطة في غفلة من الزمن بسبب خلو منصب الرئاسة في اعقاب إغتيال المرحوم الرئيس إبراهيم الحمدي في منتصف السبعينات ومقتل خلفه الرئيس أحمد الغشمي في أواخر الخمسينات في حادثة الحقيبة الدبلوماسية المفخخة، وهي حادثة مشينة وغير مسبوقة في تاريخ العلاقات بين الدول. إذ لم يسبق أن قتل رئيس دولة نظيره في دولة أخرى بتلك الوسيلة. إلى ما سبق فإن صالح لم يكن يحلم يوما بامكانية وصوله إلى المنصب الأعلى في بلاده بسبب خلفيته المتواضعة ونشأته العائلية المضطربة. فمن يقرأ سيرته الذاتية يجد أنه فقد والده وهو طفل، فرباه زوج أمه الذي كان يقسو عليه ويضربه مما اضطره أن يهرب من المنزل ومن مدرسته الابتدائية ويهيم على وجهه دون اكمال تعليمه، قبل أن يجد في الإلتحاق بمدرسة صف الضباط خير وسيلة لنيل بعض الاحترام والهيبة في مجتمعه القبلي.
ومن ناحية أخرى فإن صالح معروف عنه كراهيته للسعودية، وإن تظاهرطويلا عكس ذلك. إذ لا ينظر إليها كدولة جارة وشقيقة وصاحبة أفضال عليه وعلى شعبه، لكنها في نظره دولة "تتدخل في الشئون الداخلية لبلاده عبر شراء الولاءات القبلية"، وهي دولة "تحتل أجزاء من التراب اليمني" في إشارة إلى المحافظات السعودية الجنوبية المتاخمة للحدود اليمنية والتي الحقت بالكيان السعودي في فتوحات الملك عبدالعزيز آل سعود، وهي دولة "تقف عقبة أمام إنضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي بسبب نظامه الجمهوري"، وأخيرا فهي دولة "يهين شعبها اليمنيين ويعاملونهم بقسوة واحتقار".
وهكذا عثر الايرانيون في شخص صالح على الحصان الأسود الذي يمكنهم الرهان عليه في سبيل إقلال مضاجع المملكة العربية السعودية ودول الخليج. ولما كان تحقيق مثل هذا الأمر يتطلب تعاونا وتحالفا ما بين صالح وأعدائه السابقين ممثلين في جماعة الحوثيين، فقد بذل النظام الايراني جهودا سرية، مستخدما نفوذه المذهبي على هذه الجماعة من أجل تشكيل ذلك التحالف الذي يمكن وصفه بتحالف المتضررين من مكانة ونفوذ المملكة العربية السعودية. وبطبيعة الحال كان هناك بعض الفصائل الحوثية المعارضة للوثوق بالرئيس المخلوع، بعد أن حاربهم طويلا ووصفهم في أكثر من حديث موثق بالصراصي والخونة والعملاء. وهنا نشط الإيرانيون مجددا لإقناعهم هذه الفصائل بالتحالف مع صالح قائلين لهم أن للرجل نفوذ هائل داخل أفرع القوات المسلحة، ولاسيما الحرس الجمهوري ولواء العمالقة والقوات الجوية وقوات الأمن المركزي، وبالتالي إمكانية تجيير قوة هذه الأفرع لصالح الحركة الحوثية ومخططات طهران لتحقيق هيمنتها على دول المنطقة.
يتميز اليمن بوضع طبوغرافي معقد. فأراضيه جبلية وعرة، وهذا يشكل بيئة صالحة لحروب العصابات الميليشياوية، لكنها التي تحول دون تحقيق الخصم انتصارا سريعا حاسما، بدليل ما حدث للجيش المصري الذي أرسله الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلى اليمن لمساندة الجمهوريين ضد الملكيين وتطويق السعودية، فلم يحقق هذا الجيش إنتصارا سريعا وطالت مهمته إلى سنوات عديدة، مـُني خلالها بخسائر كبيرة في الأرواح، فكان ذلك أحد أسباب هزيمة مصر في حرب يونيو 1967.
أما ديموغرافيا واجتماعيا فإن المجتمع اليمني مجتمع قبلي تسوده الأمية، وينخره الفقر، وتتجذر فيه تقاليد الحرب والثأر وحمل السلاح، وتنتشر فيه الخرافات والبدع، إضافة إلى أنه مجتمع يمكن فيه شراء الولاءات القبلية وتحويلها من جهة الى أخرى بكل سهولة ويسر عبر المال، ناهيك عن حقيقة أن الطبقة المتعلمة والمثقفة في المجتمع اليمني لا تشكل سوى فئة مهمشة لجهة صناعة القرار وتحمل المسئولية. وبإختصار شديد فإن اليمن بلد ممزق قبليا وطائفيا ومناطقيا وعسكريا على مختلف الأصعدة. وهكذا وضع سهـّل للمخلوع علي صالح أن يبقى طويلا في السلطة دون تهديد وذلك من خلال اللعب على كل التناقضات المتجذرة في المجتمع اليمني، وتشكيل التحالفات وفضها كيفما أراد، وتأليب هذا الطرف على ذاك أو العكس، وانتهاج سياسة فرق تسد المعروفة (صرح صالح بنفسه في مقابلة صحفية في عام 2010 بأن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الأفاعي وأنه يجيد ترويضها). وبالمثل فإن هكذا وضع كان مثاليا للإيرانيين كي يتغلغلوا في اليمن ويحتضنوا الحوثيين ويدربوا ميليشياتهم ويمدونهم بأسباب القوة قبل أن يستخدمونهم في تنفيذ مخططاتهم ومآربهم. (أرجو ألا يـُعتبر ما قلته في هذه الجزئية انتقاصا لليمنيين. ففي اعتقادي أن اليمنيين هم الشعب الوحيد في شبه الجزيرة العربية الذين يجيدون فن العيش بدون نفط اعتمادا على سواعدهم وخوضهم لمختلف مجالات العمل. وقد عرفناهم في الخليج قبل ان نعرف العمالة الآسيوية فكانوا أخير الناس في الأمانة والصدق والنزاهة).
لا تستطيع أي دولة أجنبية أن تنفذ إلى دولة أخرى فتخلق لنفسها فيها قاعدة ونفوذا وأعوانا الا إذا كانت الأخيرة في وضع سياسي مضطرب وتسودها المعضلات الاقتصادية والاجتماعية والامنية المؤدية إلى حالة من الفراغ الممكن استغلاله من قبل القوى الأجنبية الطامعة تحت شعار "ملء الفراغ". والحقيقة أن ما جعل اليمن بيئة نموذجية لتدخلات النظام الإيراني ليس الفقر والبطالة وفساد الطبقة الحاكمة فحسب، وإنما أيضا غياب دولة مركزية قوية. فحتى في عهد المملكة المتوكلية اليمنية لم تكن الدولة تبسط سلطتها على كامل التراب اليمني، وبعد ثورة السلال في سبتمبر 1962 وقيام الجمهورية ظل الحال على ما كان عليه بل أسوأ من ذي قبل. أما بعد الوحدة الشمال والجنوب فحدث ولا حرج، حيث برز الحراك الجنوبي المناهض للسلطة المركزية في صنعاء والداعي لإستعادة المحافظات الجنوبية إستقلالها وفض الوحدة التي قامت على عجل ما في 22 مايو 1990. ومما زاد الأمور تعقيدا عمليات تنظيم القاعدة الإرهابي المدعومة فكريا ولوجستيا وماديا من قبل فئات سنية متطرفة داخل المجتمع اليمني وبطبيعة الحال فإن تلك العمليات خلقت نوعا من الفوضى الأمنية في البلاد واستدعت تدخل الولايات المتحدة لمواجهتها بطائرات "الدرون" من دون طيار، علما بأن هناك فرضية تقول بتعاون الإيرانيين مع القاعدة لخلق الفوضى والقلاقل في اليمن (الخاصرة الجنوبية للسعودية) طالما أن هذا سيضر بمصالح خصمها المشترك وهو المملكة العربية السعودية. وربما تتحول هذه الفرضية إلى حقيقة على ضوء التسريبات الأخيرة للدوائر الامريكية حول اكتشافها لوثائق في مكان مقتل زعيم القاعدة السابق أسامة بن لادن في "أبوط آباد" الباكستانية تؤكد أن الخلاف الايديولوجي والمذهبي لم يحل دون تعاون تنظيم القاعدة السني مع النظام الايراني الشيعي.
تنطبق مقولة "من أمن العقوبة أساء الأدب" على النظام الإيراني. ذلك أن طهران ظلت لسنوات طويلة، ولازالت، تتدخل على رؤوس الأشهاد في الشأن اللبناني من خلال تزويد حزب الله اللبناني بالأسلحة والأموال والخبراء، بل تجاوز المسئولون الايرانيون كل الأعراف الدبلوماسية في طريقة دخولهم إلى هذا البلد المستقل وخروجهم منه إلى درجة أن وزير الخارجية اللبناني الأسبق فارس بويز ضاق ذرعا بهذه التصرفات وأعرب صراحة للإيرانيين عن تذمره وسخطه. وقام الايرانيون من خلال قادة حرسهم الثوري بشيء أخطر من ذلك في العراق في أعقاب الإطاحة بنظام صدام حسين وهيمنة المالكي على السلطة وانتشار الميليشيات المؤتمرة بأمر مرجعية قم. وفي سوريا دخلت أجهزتهم المخابراتية وانتشر خبراؤهم العسكريون وشكلوا جسورا جوية ما بين طهران ودمشق مرورا في الاجواء العراقية، لنقل الأسلحة والأموال من أجل دعم نظام بشار الأسد المتهاوي. أما في الخليج فقد تم تسجيل العديد من المحاولات الايرانية للتسلل بحرا وتهريب الأسلحة وضخ الأموال في جيوب الجماعات الموالية لنظام خامنائي. إلى ما سبق قام النظام الايراني بأعمال إرهابية في العالم إبتداء من الارجنتين وانتهاء بتايلاند ومرورا بدول مثل بلغاريا وقبرص.
في كل هذه الحالات الجرمية والارهابية لم يجد الايرانيون من يلجمهم أو يدينهم أو يعاقبهم عقابا رادعا بسبب الخلل الذي يعتري تركيبة الجهاز المعني بأمن وسلامة العالم (مجلس الأمن) في ظل عودة التنافس الامريكي ـ الروسي الشبيه بتنافسهما أيام الحرب الباردة. لقد شجع هكذا وضع الإيرانيين على مواصلة غيهم وألاعيبهم بحرية
لقد أدرك النظام الايراني جيدا أنه طالما نجح في الافلات من العقاب في الماضي، فإن إفلاته اليوم مضمون في ظل وجود رئيس أمريكي متردد وغير حاسم في قراراته مثل باراك أوباما، خصوصا وأن أوباما بدا في أكثر من مناسبة معجبا بإيران وراغبا في اتخاذها شريكة وحليفة كبديل لحلفاء بلاده التقليديين ممثلين في الانظمة الخليجية العربية السنية الموصومة ظلما بدعم التطرف الديني. وفي هذا السياق من المفيد أن نستحضر ما قاله مايكل دوران كبير الباحثين في معهد هيدسون للإبحاث، الذي عمل سابقا نائبا لمساعد وزير الدفاع الأمريكي ومديرا لمجلس الأمن القومي في دراسة مطولة من أن إعادة تأهيل إيران للقيام بدور في الشرق الأوسط والعالم كشريك وحليف للولايات المتحدة في قضايا إستقرار العراق وهزيمة الجماعات الجهادية السنية مسألة إحتلت مكانا بارزا في فكر أوباما الإستراتيجي.
وبهذا ضمن الايرانيون أن الساحة مفتوحة لهم للتدخل في اليمن دون أن ينالهم أي عقاب دولي، طالما أن القوتين الكبريين في مجلس، إحداهما حليف معلن (روسيا الاتحادية) والأخرى حليف مبطن (الولايات المتحدة)، علما بأن الحليف الأمريكي معني بضرب التنظيمات اليمنية التي تمارس أو تساند الإرهاب عمليا مثل الفرع اليمني لتنظيم القاعدة أكثر من التنظيمات التي لا تمس مصالح الأمريكيين وتكتفي بشعارات الموت لأمريكا مثل جماعة الحوثيين، هكذا دخل الإيرانيون إلى الساحة اليمنية لدعم الحوثيين من جهة والتسبب في إقلاق مضاجع دول منظومة مجلس التعاون الحريصة على إستقرار هذا القطر العربي المجاور من جهة أخرى.
في 21 سبتمبر 2014 حقق الحوثيون لإيران حلمها في السيطرة على اليمن، أو كما قال "محمد صادق الحسيني" مستشار الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في كلمة له في لبنان من أن جبهة المقاومة والجمهورية الإسلامية" لم يعودوا سادة وسلاطين البر فحسب وإنما أصبحوا سادة البحر وسلاطينه الجدد بسيطرتهم على اليمن وتحويلها لأول مرة منذ قرون إلى "زيدية يمنية حضارية ثقافية خالية من آل الأحمر خدمة آل سعود المتخفين تحت عباءة حاشد" طبقا لقوله.
فقد سيطر الحوثيون، الذين يشكلون نسبة 5% من إجمالي الشعب اليمني البالغ تعداده نحو 29 مليون نسمة لكنهم من جهة أخرى يملكون ميليشيات يقدر عدد أفرادها بنحو نصف مليون مسلح (نصفهم تقريبا من الأطفال والمراهقين) على العاصمة صنعاء عبر الاستيلاء على مقار الحكومة ووزارات الدولة والقيادة العامة للجيش والبنك المركزي، وإذاعة صنعاء. وكانوا قد مهدوا لذلك أولا بسيطرتهم على مدينة عمران الشمالية (معقل آل الأحمر) في يوليو 2014 ، وثانيا بنزولهم في أغسطس 2014 إلى العاصمة صنعاء للتظاهر ضد الحكومة إحتجاجا على زيادة أسعار الوقود، وهو ما ساعدهم على نشر مسلحيهم في كل مكان، وقيامهم باغلاق جميع مداخل العاصمة أمام عربات الجيش والشرطة، والاعتداء على كل من لا يشاركهم التظاهر ضد الحكومة، وثالثا بانقلابهم الكامل على الشرعية ممثلة في الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته في 19 يناير 2015 . ورابعا بزحفهم واستيلائهم بالقوة والترهيب على المحافظات الجنوبية التي تعتبر محافظات سنية خالصة تقريبا.
والمعروف أن محاولات عدة جرت لتوقيع إتفاق بين الحكومة والحوثيين لإنهاء الأزمة وتشكيل حكومة وحدة وطنية ونزع سلاح الميليشيات، إلا أن كلها أجهضت من قبل الحوثيين بناء على أوامر صدرت لهم من أسيادهم في طهران الذين اعتقدوا أن خلافات الأنظمة العربية من جهة، ووقوف الروس والصينيين علنا إلى جانبهم، وتأييد الأمريكيين سرا لهم من جهة أخرى كفيل باستتباب الأمور لهم ولحلفائهم الحوثيين الذين أرادوا لهم أن يكونوا ــ في أسوأ الأحوال ــ في وضع مشابه لوضع حزب الله في لبنان من حيث تشكيلهم للثلث المعطل لأي قرار حكومي لا يعجبهم، ولا يعجب بالتبعية طهران
وهكذا فإن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وشقيقاتها الخليجيات والذي أطلق في فجر يوم 26 مارس 2015 عمليات "عاصفة الحزم" لإستعادة الشرعية في اليمن كانت مفاجأة غير سارة للإيرانيين، ووجهت صفعة قوية لأحلامهم التوسعية، خصوصا بعدما نجحت في تحقيق انتصارات مشهودة على الأرض بفضل تأييد المقاومة الشعبية وأنصار الشرعية. وإذا ما تمكن التحالف العربي من تطهير كامل التراب اليمني من أعوان الدخيل الايراني، وتفرغ بنفس الزخم والقوة والتعاون لتطهير الأوطان العربية الأخرى التي تمدد فيها الايرانييون وعاثوا فيها فتنة وفسادا، فإن الصفعات العربية للنظام الإيراني سوف تكون أشد إيلاما. وبالإمكان تلخيص الأسباب التي دعت الرياض وشقيقاتها الخليجيات إلى التحرك لإنقاذ اليمن في مايلي:
1ـ سقوط اليمن يعني تهديدا للأمن القومي العربي، ممثلا في أمن جناحي الأمة العربية أي مصر والمملكة العربية السعودية
2ـ سقوط اليمن يعني فتح شهية الإيرانيين للتمدد في دول عربية أخرى ولاسيما دول مجلس التعاون الخليجي التي ستكون في هذه الحالة محاطة بأنظمة موالية لطهران من الغرب والشمال والشرق.
3ـ سقوط اليمن يعني تهيئة بيئة خصبة للفوضى الجاذبة للجماعات الإرهابية المتطرفة من كل مكان بدعوى تطهيرها من "الكفار" الشيعة.
4ـ سقوط اليمن يعني احتمال حدوث هجرات يمنية واسعة نحو دول الجوار، وبطريقة تشكل عبئا أمنيا وانسانيا على الأخيرة.
بقي أن أقول أن التحالف العربي لتحرير اليمن من الحوثيين والإيرانيين يعد عملا غير مسبوق في التاريخ العربي المعاصر، كما يمكن وصفه بتأسيس مرحلة جديدة في سياسات دول مجلس التعاون غير قائمة كما في السابق على الاستنكار والمهادنة والسكوت، وإنما قائمة على المبادرة والحسم عبر العمل العسكري السريع من أجل تحقيق الأمن القومي العربي، وإعادة موازين القوة في المنطقة لصالح العرب من بعد الخلل الذي أصابها الخلل بخروج العراق من المعادلة . فلأول مرة يقوم العرب بفعل مزلزل وليس سفسطة كلامية إعتمادا على أنفسهم، ودون تلكؤ، ومن غير إنتظار الضوء الأخضر من الخارج، بل أن العرب إرتضوا أن تقودهم دولا كانوا ينظرون إليها حتى وقت قريب كدول أطراف أو دول هامشية. إن ما حدث بشأن اليمن لم يسبق أن حدث.. لا أثناء الحرب العراقية الإيرانية ولا أثناء حرب تحرير الكويت.
وبطبيعة الحال لم يعجب هذا التطور الحميد بعض الجهات العربية والغربية، من دول وتنظيمات ومفكرين ومعلقين ومجاهدي الفيسبوك فقامت بشن هجمة إعلامية منظمة على السعودية والإمارات تحديدا: تارة بحجة أنها تدخلت في شئون دولة عربية ذات سيادة، وتارة بحجة أن الحرب لا تولد سوى الحروب والنزعات الانتقامية، وتارة ثالثة بحجة أن اليمن مستنقع لا يمكن الخروج منه بسهولة، وتارة رابعة بحجة أن الإقدام على التدخل في اليمن تم على عجل ودون دراسة كافية، وتارة خامسة بحجة أن الحرب في اليمن انهاك للموارد والطاقات العربية المفترض توجيها نحو خدمة قضية الأمة المركزية، وتارة سادسة بحجة ضرورة التفاهم مع إيران بدلا من استفزازها! (لا أدري من يستفز من، ولا أدري كيف نتفاهم مع طرف لا يقدم لك ما يخلق الثقة فيه سوى ترديد عبارات جوفاء مثل أن إيران ملتزمة بـ سياستهاي حسن همجواري أمراي كشورهاي همساية جمهوري إسلامي)
ولو كان مثل هذه الأقاويل والانتقادات مصدرها طهران او بغداد أو دمشق أو بيروت أو الإعلام الغربي أو دكاكين حقوق الإنسان الغربية لكان السبب معروفا، لكن الطامة الكبرى أن بعض من يكتب هذه الأشياء ويروجها هم مثقفون خليجيون من ذوي التوجهات القومية واليسارية ومعهم بعض مثقفي مصر من أمثال محمد حسنين هيكل ورئيس مجلس إدارة الأهرام الحالي المدعو أحمد السيد النجار. طبعا لا مجال هنا لدحض كل ما قيل الواحد تلو الآخر، لكني سأكتفي بالرد على من زعم أن التحالف العربي تم على عجل ودون خطة محكمة. كنا قبل فترة قصيرة في حوار مع الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشئون الخارجية في دولة الإمارات فأخبرنا أنه كان في سبتمبر 2014 في نيويورك بصحبة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد لحضور الدورة السنوية العادية للأمم المتحدة، وأن الشيخ عبدالله تلقى إتصالا بعد منتصف الليل من نظيره السعودي المغفور له الأمير سعود الفيصل يطلب منه الحضور إلى جناحه على عجل لمناقشة تطورات خطيرة تحصل على الحدود الجنوبية للسعودية. يقول قرقاش حينما ذهبنا إلى الأمير أخبرنا أن الأقمار الصناعية الأمريكية التقطت صورا تبين قيام الحوثيين بتنصيب صواريخ سكود في وضع الإطلاق على الحدود السعودية اليمنية قبالة جيزان ونجران، مضيفا أن الأمر خطير ولا يحتمل السكوت والانتظار، وداعيا الإمارات إلى الانظمام إلى المملكة وغيرها لعمل شيء قبل أن تقع الكارثة خصوصا وأن مدى صواريخ سكود قد يصل إلى 600 كيلومتر وبالتالي يمكنها إصابة أهداف حيوية في المملكة. من تلك اللحظة أي قبل 6 أشهر تقريبا من بدء عملية عاصفة الحزم بدأ العمل والتفكير فيها. وهذا يدحض مقولة أن التحالف العربي تم على عجل. اما الذين استنكروا شن حرب على الحوثيين في اليمن فنقول لهم، أن الأمم أحيانا لا تجد أمامها خيارا سوى خيار الحرب، رغم كراهيتها لها، وذلك عندما تجد نفسها مهددة في سيادتها وامنها واستقرارها.
يقول الله سبحانه وتعالي في سورة البقرة الآية 216 : كتب عليكم القتال وهو كره لكم!
** أستاذ في العلاقات الدولية متخصص في الشأن الآسيوي من مملكة البحرين
"من محاضرة ألقاها في مركز عيسى الثقافي بالمنامة"