.
.
.
.

تفجير تونس: بين ثقافة الموت وثقافة الحياة

توفيق قريرة

نشر في: آخر تحديث:

ثقافة الحياة تجعل الشارع والخارج الفضاء الحقيقي للحياة. أما ثقافة الموت فتعشش في الظلمة تعيش من فتات الجهل بالدين قبل الجهل بالدنيا.


ضرب الإرهاب في عواصم عربية وأوروبية وأفريقية وآسيوية وسيظلّ يضرب في كلّ مكان إن لم تستعدّ له الدّول والمجتمعات بأسلحة أخرى مع الأسلحة التقليدية، وأبرزها السلاح الثقافي الذي ينبغي أن يكون بحدّيْن:

الحدّ الأوّل استقراء الثقافة التي تسيّر الجماعات الإرهابية والأيديولوجيات التي تستقطب بها أفرادها. والحدّ الثاني الإعداد لثقافة حمائية تكون ردّا فعّالا على ثقافة من يتبنّون نهج الترهيب والقتل.

ونحن نعتقد أنّنا سنكون إزاء ثقافتين متصارعتين هما ثقافة الموت التي تروّج لها تلك الجماعات، وثقافة الحياة التي يتغذّى منها الإنسان العاديّ في جميع مراحل حياته اليومية وبتفاصيلها البسيطة.

نعني بثقافة الموت تلك الأفكار والأيديولوجيات التي تدفع الجماعات الإرهابية إلى قتل النفس تحت مسمّى خاطئ ومحرّف هو الشهادة أو الجهاد، وقتل الآخرين تحت مسمّى التكفير والطاغوتيّة وغير ذلك من المسميّات التي يعتقدها هؤلاء الانتحاريون أسبابا لقتل الأبرياء من المدنيين وغير المدنيّين.

ونعني بثقافة الحياة تلك الثقافة التي يتربّى عليها المواطن في الحياة المدنيّة في جميع أنشطته اليومية وفي جميع مراحل حياته وتجعله يرتّب أنشطته اليومية من أجل أهداف مختلفة تردّ إلى بناء حياة نمطية أو عادية أو حتى مميّزة.

في هذا السياق فإنّ التعلم والعمل والسفر والترفيه وحتى الجلوس في المقهى أو على قارعة الطريق لتبادل الحديث هو إنتاج بسيط أو معقد عام أو مختص لثقافة الحياة. في ظل صراع الثقافتين؛ ثقافة الحياة وثقافة الإرهاب – وهو صراع من جهة واحدة جهة هجوم ثقافة الموت على ثقافة الحياة – فإنّ الإرهابيّين باعتبارهم حَمَلة ثقافة الموت يهدّدون المواطن البسيط في أجمل ما يصنع ثقافة الحياة لديه وأهمّها الأمن والطمأنينة والحرّية.

حين يقتل الإرهابي شرّ قتلة نفوسا بريئة فإنّه سيربك هذه المنظومة النفسية التي هي من أسباب التوازن في معادلات ثقافة الحياة، وحين تختلّ تلك الموازنة سيشعر صاحب ثقافة الموت بالانتصار وسيشعر صاحب ثقافة الحياة بالخوف إن لم يشعر بالهزيمة. غير أنّ الإستراتيجيات الدفاعية النفسية، وهي ليست استراتيجيات الدولة بالضرورة بل تكون وسائل حمائية من المجتمع نفسه، يمكن إن هي لم تتأثر بالخوف ولم تفرّط في مكاسب ثقافتها الحية أن تربك الآخر وتردّه مدحورا.

فعلى سبيل المثال فإنّ ما حدث في بلجيكا الأسبوع الماضي من شلل للحركة العادية للحياة هو، ومن غير قصد، تراجع أمام ثقافة الموت؛ وتغيير العادات الثقافية كالسياحة مثلا هو أيضا استجابة من ثقافة الموت لثقافة الحياة. ولقد بدأت الشعوب (لا السياسات الرسمية) تعي بأنّ التراجع أمام التهديدات الإرهابية إنّما هو تشجيع لثقافة الموت أن تكتسح الميدان أمام ثقافة الحياة، ولذلك فليس من حلّ أفضل من أن تسير دواليب الحياة كما كانت تسير.

يوم الثلاثاء قبل الفارط على الساعة الخامسة مساء في شارع مليء بالحركة والحياة بتونس العاصمة فجّر رجل يبحث عن الموت حافلة فيها مجموعة من الحرس الرئاسي شغلهم الشاغل هو حماية حياة شخصيات وطنية رمزية.

خلف الشارع الذي فيه حدث التفجير كان التونسيّون يحيون مهرجانا ثقافيّا مهمّا هو أيّام قرطاج السينمائية، وهو مهرجان تُعرض فيه أفلام عربية وإفريقية وعالمية. كانت التذاكر تنفذ قبل وقتها وكان الناس مستعدّين لهذا الحفل وعلى الرغم من أنّ الأمطار والبرد هجما فجأة، فإنّ ذلك لم يزد الناس إلا حبّا في الدفء والاجتماع حول الشاشة الكبرى. قريبا من دور السنيما كانت المقاهي ملآى بمحبّي الحياة يشربون شايا أو قهوة وعبرها يتواصلون يتحدّثون عن صعوبة الحياة وهم في العمق يعشقونها، منهم من هو طالب يشكو قساوة العيش وقلة المال وصعوبة الامتحانات وضيق الأفق لكنّهم يعشقون الغد لأنّهم يعشقون الحياة. حين استمعوا إلى التفجير أخلوا المقهى لا فرارا بل فزعا إلى مكان الحادثة، وفي قاعات السينما لم يخرج أحد بل كانوا مستغرقين في عالم الخيال الفني الذي يقدّم لهم واقعا آخر وثقافات أخرى في بلاد عربية أو إفريقية كثيرة.

ولا شكّ أنّ منهم من يعشق بساطتها فيحبّها شكلا للحياة جديدا ومنهم من يقارنها بحياته فيعود إلى عشقها بعد المقارنة. حين وصلهم الخبر تشبثوا بمهرجانهم لم يفكّروا في إلغائه لأنّهم يعشقون الثقافة التي تجعلهم يعشقون الحياة. كان قرار منظمي المهرجان وضيوفه انتصارا لثقافة الحياة.

كان التونسيّون حزانى من أجل من ماتوا منهم من كان يبكي أشخاصا لا يعرفهم فقط لأنّهم ماتوا مضحين بحياتهم كي يعيش آخرون. منذ شهر أو يزيد بكى التونسيّون مع الأمّ التي ذُبح ابنها الراعي من الوريد إلى الوريد ونام رأس ابنها في الثلاجة في انتظار أن تعثر على بقية الجسد. بكى التونسيّون لكنّهم أصرّوا على أن يواصلوا عيشهم لن يغلقوا الأبواب ولن يهربوا إلى السراديب. ثقافة الحياة تجعل الشارع والخارج هو الفضاء الحقيقي للحياة.

أما ثقافة الموت فتعشش في الظلمة تعيش من فتات الجهل بالدين قبل الجهل بالدنيا، لا يعرف هؤلاء أنّ الرسل جميعا كانوا من حماة الحياة، ولم يكونوا يخافون الموت لكنّهم كانوا يخافون على حياة تابعيهم ويهبون الحياة لمن يريدها كانوا دعاة سلام ولم يكونوا دعاة حرب.

أحباء ثقافة الموت لا يعرفون شيئا لا من سيرة الأنبياء ولا من أقوال الحكماء ولا يعرفون عن الصوفية شيئا كانوا وهم يستعدّون لأن يحرّروا أرواحهم يعذبون أجسادهم هم ولا يقتلونها. هؤلاء عاشوا مقاماتهم وأحوالهم بالفيض الروحي الذي لديهم وهم بين الأحياء، ولا يعرف هؤلاء شيئا عن الملل والنّحل وكيف أنّ الاختلاف بينهم كان كلاميا، ولم تعرف المذاهب في تاريخها الدموية أحيانا إلا حين أشعلت فتيل الخلاف بينها الأيادي الخارجية بالفتن.

يمكن للأديان أن تتعايش وقد تعايشت، ويمكن للنحل أن تتعايش وقد تعايشت، لكن ما لا يمكن أن يتعايش هو الموت والحياة فبينهما صراع يصل إلى حدّ الإقصاء: هكذا هو الحال بين ثقافتي الحياة والموت، لتنتصر ثقافة الحياة عليها أن تكسر جمجمة ثقافة الموت بفرض حبّ الحياة.

وعلى الساسة أن يبحثوا لمواطنيهم عمّا يحبّب إليهم الحياة. سياسة الحياة العادية التي فيها الأمن والحرية والكرامة والعدالة أسس لا مساس منها مهما اشتدّت الأزمات وأيّة أزمة أكثر من تلك التي تهدّد الحياة وثقافة الحياة.

لم نقل إلى هذا الحدّ إنّ ثقافة الحياة لا تعترف بالموت. فمن يعشق الحياة يفكّر أيضا بالموت ويقرّ بأنّها حقّ لكنّ لها آجالا وللقوة الإلهيّة القاهرة وحدها حقّ تحديدها. الحياة منّة من الله والموت حقّ، هكذا يؤمن الناس البسطاء ولذلك يتعاملون مع الحياة بشغف، غير أنّ من يعشق الموت لا يفكّر بالحياة وينسى أنّها منّة إلهيّة ويريد أن يتدخّل في ميقات الموت ويجعله أصلا لكلّ شيء، وهذا لا تقبله الغريزة البشرية ولا تؤيّده الشرائع والقوانين، فقط يسطّره من يكرهون الحياة ولا يصبرون على أن يأتي الموت في ميعاد الله بحسب السنة التي تعوّد الناس عليها.
نقلاً عن العرب

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.