داعش لا يُحارَب عسكرياً!
لو كانت الحرب القائمة ضد الإرهاب تفلح عسكرياً لما بقي "التطرف الإرهابي" مستمراً حتى يومنا هذا، تحت مظلة القاعدة حيناً، وتنظيم الإخوان أحياناً، وداعش تارة، وغيرها من التنظيمات المصنّفة "إرهابية" .
لو كان الإرهاب يُستأصل عسكرياً لانتهى بُعيد التدخل الأمريكي في أفغانستان في أعقاب هجوم 11 سبتمبر.
فتنظيم القاعدة الذي حاربته الولايات المتحدة وحلفاؤها في أفغانستان عام 2001، وفي العراق منذ العام 2003، وكافحته جدياً وصراحة السعودية منذ ذلك الحين بدورها، كان يمكن أن ينتهي لو أنه حكر على تنظيم معيّن مؤلّف من عناصر معدودين حتى لو كانوا بالآلاف. لكن واقع الحال مختلف، والتجديد والاستمرارية العددية أبرزت معضلة أكبر تجسدت بتفشي هذا الوباء الذي لا يقتله الرصاص، بل يعيد إحياءه في أجسام جديدة. فداعش تنظيم جديد لآفة مستمرة منذ أيام "المجاهدين" في أفغانستان خلال الحرب الأمريكية – السوفيتية الباردة.
وقد أثبتت التجربة أن الحرب ضد الإرهاب لا يمكن أن تكون عسكرية حصراً.
فالعمليات الأمنية للقضاء على الخلايا لا تتعدى الشق التنفيذي لوقف أو استباق عمليات انتحارية أو إرهابية، كما أنها لا تخرج من إطارها الآني في الحفاظ على الأرواح وحقن الدماء البريئة.
أما اعتبار أن هذه العمليات العسكرية في سوريا والعراق اليوم، وتلك العمليات الأمنية سابقاً، عنوان رئيسي لمكافحة الإرهاب فإن ذلك لا يتعدى الترفيه السياسي والأمني.
بالعودة إلى داعش الذي يمثل اليوم "الإرهاب" تسمية وفعلاً فإن مكافحته في العراق وسوريا عبر هذه الضربات المستمرة منذ عام ونصف العام لم تؤثر فيه، بل واصل تحركه وانتشاره إلى أوروبا والولايات المتحدة وأبعد أصقاع الأرض.
ولو كان الفكر يكافح بالسلاح لما انتصرت أي ثورة يوماً. وحتى هذا اليوم يبقى "الإرهاب" فكراً وعقيدة فيما يضيّع العالم القضاء عليه عسكرياً ومكافحته فكرياً واجتماعياً وسيكولوجياً.
ولعل أفضل ما قيل حتى هذا اليوم في هذا السياق يبقى كلام الصحافي الفرنسي نيكولوس هينان الذي أسره التنظيم الإرهابي إلا أنه استغلّ وجوده هناك لفهم ماهيّة هذا التنظيم، وكيف يعمل وكيف يفكّر... ليخرج الصحافي الفرنسي المحرّر بكلام واقعي وعلمي هو الأهم من بين المُقال حتى تاريخه.
ويقول الصحافي الفرنسي: "كمثال على مبادرة إيجابية قام بها المجتمع الدولي بوجه التنظيم كان فتح الأبواب والمنازل للاجئين السوريين، وكان ذلك منفذاً مهماً لكثيرين للهروب من داعش. وهذه كانت ضربة قوية للتنظيم".
مئات الآلاف من اللاجئين المسلمين تركوا أرض داعش واتجهوا صوب أرض "الكفار"، وهذا بحسب التعابير التي استخدمها الصحافي الفرنسي المحرر نقلاً عن أسلوب تفكير متطرفي داعش.
كما يضيف قراءة جديدة لأحداث باريس الأخيرة حين يعتبر أن "داعش هاجم العاصمة الفرنسية ليدفع بالأوروبيين إلى ردة فعل تستتبع إقفال الحدود الأوروبية بوجه تدفق اللاجئين الهاربين من سوريا. من هنا، يعتبر هينان أن الضربات الجوية لم تكن يوماً مؤذية للتنظيم بقدر ما دفعت عدداً كبيراً من الأشخاص باتجاه داعش".
ويبقى من كل هذا حلول جذرية أكثر نجاعة من هذه الضربات الجوية المزعومة. ويجمع عدد كبير من المراقبين والخبراء في شؤون الإرهاب أن القضاء على التنظيم يحتاج مقاربة اجتماعية جديدة واستقراراً ضمن دول مأزومة قائمة على "دولة ضعيفة" وسياسات "استناسبية" تجاه شرائح مجتمعيّة في العراق وسوريا خصوصاً، حيث انتهج المالكي سياسة إقصائية وظالمة على أسس مذهبية تماماً كآل الأسد منذ عهد الرئيس الأب حافظ الأسد.
والحل اليوم في سوريا هو العمل على إيجاد بدائل لشريحة من الشعب السوري الذي تم إجباره حيناً واختار أحياناً داعش على نظام الأسد.
ما تحتاجه سوريا اليوم هو حظر جوي فوق مناطق المعارضة لمنع طيران النظام من دكها بالبراميل والقذائف، وحين يتم ذلك كثيرون سينزحون من منطقة سيطرة داعش إلى مناطق المعارضة المسلحة الآمنة بُعيد هذ الحظر، وعندها يكون أول حجر أساس لدى التنظيم قد تم ضربه بشكل فعال في إطار القضاء عليه.