.
.
.
.

مقاطعة السلع التركيّة والإيرانيّة

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

أنا أيضاً تحدوني الرغبة العارمة في مقاطعة البضائع التركية والإيرانية سواء بسواء .. لكن دوافعي وأهدافي تختلف تماماً عن دوافع وأهداف الطائفي الشيعي الذي يرفع الآن صوته عالياً بمقاطعة البضائع التركية عقاباً لأنقرة على اختراق قواتها المسلحة حدودنا من دون استئذان، وهي تختلف أيضاً عن دوافع وأهداف الطائفي السنّي الذي يهتف الآن بإغلاق الحدود في وجه البضائع الإيرانية عقاباً لطهران على اجتياح نصف مليون من سكانها هذه الحدود عنوةً في زيارة الأربعين الأخيرة، وعلى نفوذها السياسي والعسكري المتنامي في البلاد.

والغاية الكامنة وراء رغبتي الجامحة في مقاطعة السلع التركية والإيرانية، ومعها الصينية كذلك، ليس فقط بسبب نوعياتها الرديئة، وإنما في المقام الأول في سبيل أن نُعيد الحياة إلى زراعتنا التي تعاني سكرات الموت وصناعتنا العاطلة، فالحاجة أُمّ الاختراع، وحاجتنا إلى ما نأكل ونلبس ونركب، وسوى ذلك، ستدفعنا، مع المقاطعة، إلى استنهاض طاقاتنا وقدراتنا الذاتية واستصلاح وفلاحة أراضينا الشاسعة، وحسن إدارة مياهنا الوفيرة، وتعمير المكائن في مصانعنا وبعث الحركة في دواليبها من جديد.

مثل سائر العقلاء في هذي البلاد، أًدرك بالطبع أنّ المقاطعة التامة الشاملة هو شعار صبياني، فضلاً عن أنه غير عملي، لذا فإنني أتطلّع في الواقع إلى مقاطعة جزئية.. نحن نستورد الآن ما قيمته 65 مليار دولار سنوياً، وخفض هذه القيمة بنسبة 50 بالمئة مثلاَ كفيل بتوفير ما يزيد على 30 مليار دولار، وهذا وحده يكفي في غضون 3 إلى 5 سنوات لإحداث ثورتين مدوّيتين في مجالي الزراعة والصناعة.. بشرط ألّا تمتد أيدي الفَسَدة ولو إلى دولار من هذا المبلغ، لأنّ السماح بسرقة هذا الدولار سيعني سرقة الدولارات كلّها.

مقاطعة السلع الإيرانية والتركية أو الإيرانية وحدها أو التركية وحدها، وهي في الغالب من السلع الأساس، وفي مقدمها الأغذية، ستعني شحّ هذه السلع في أسواقنا، والشحّ يقود إلى ارتفاع الأسعار بنحو جنوني (في زيارة الأربعين الأخيرة على سبيل المثال ارتفت الأسعار بما لا يقل عن 50 بالمئة، لأن حركة البيع بالجملة توقفت لنحو أسبوع).. وارتفاع أسعار السلع الأساس سيعني زيادة فقر الفقراء ومضاعفة معاناتهم، وهم الأغلبية الساحقة من سكان البلاد، الشيعة والسنّة سواء بسواء.

الشعار السليم في ظنّي هو الذي سيدعو لتخفيض قيمة مستورداتنا من مختلف بلدان العالم إلى النصف وتوجيه النصف الآخر نحو الزراعة والصناعة، فبهذا يمكننا تأمين ما نأكل من إنتاج أرضنا وما نلبس ونركب من صنع أيدينا، وهذا سيحرّرنا من ربقة عبوديتنا للنفط.. بل هو سيجعل منّا دولة قويّة بحدود منيعة لن يجرؤ الأتراك ولا الإيرانيون ولا داعش ولا سواهم على عبورهذه الحدود من دون الحصول مسبقاً على تأشيرة الدخول الرسمية مدفوعة الرسم: فيزا.

* نقلا عن "المدى" العراقية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.