.
.
.
.

اغتصب لتُكافأ

عذراء الرفاعي

نشر في: آخر تحديث:

«ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» (الروم: 21)

الفطرة البشرية التي تسوق النفس الى طلب الازدواج ووجود طرف آخر، يكمن القبول والايجاب بينهما، فتتمازج القلوب والاجساد، فيرتبطان لمصلحة واحدة، وصلة أقوى من كل صلة في هذا العالم، لكونهما يسكن كل منهما الى الآخر عند كل اضطراب، ويسعدان بمودة ورحمة، تلك هي الحكمة الالهية من الارتباط المقدس بين الذكر والانثى.

الغاية السامية للزواج هي حفظ النفس وحرث للنسل ومتاع الحياة، وطمأنينه للقلب والعقل والجوارح، وما خرج عنها كان فساداً للمجتمع، فبأي ذنب تتزوج الضحية من مغتصبها؟

عندما يأخذ الشيء ظلما او قهرا او استكراها من فتاة بكر او امرأة ثيب ــ سواء فكلاهما نفس انسانية ــ لتقع ضحية لحظات عاشت فيها رعبا فتهتكت مشاعرها وتشرخت نفسيتها وانتهكت كرامتها، وواجهت ظلما وجورا لنزوة شيطانية من معتدٍ، ليعاقبها المجتمع العربي بدلاً من ان يكون لها سنداً، فهي بنظرهم ألحقت بهم عاراً ليكافئوه بالزواج من انثى مكرهة، فيعقد عقدا باطلا لتخلف ركن من اركان صحة عقد الزواج وهو الرضا.
كافأت التشريعات العربية الجاني بإفلاته من العقوبة اذا تزوج بالضحية، فالمملكة الاردنية نصت في المادة 308 من قانون العقوبات «اذا عقد زواج صحيح بين مرتكب احدى الجرائم الواقعة (المواقعة ــ وهتك العرض) اوقفت الملاحقة، واذا صدر حكم بالقضية علق تنفيذ العقاب، الذي فرض على المحكوم عليه»، والمشرع اللبناني عاقب المغتصب واعفاه بنص المادة 503، اذا وجد عقد زواج، والمشرع السوري اعفى الجاني بنص المادة 489، والمشرع البحريني والجزائري كذلك أخذا نهج الاعفاء بالزواج، والمشرع الجزائي الكويتي نص في المادة 182 «اذا تزوج الخاطف بمن خطفها زواجا شرعيا بإذن من وليها وطلب الولي عدم عقاب الخاطف لم يحكم عليه بعقوبة ما»، لنجد اغلب التشريعات العربية قد كافأت متهما بإفلاته من العقاب.

المشرع القطري والمشرع التونسي كانا اكثر حزما بعقاب الجاني بالسجن المؤبد او المؤقت، ولم تتضمن نصوصهما اي اعفاء للمتهم، اما المشرع المصري عام 1999 الغى نص المادتين 290 و291 من قانون الجزاء المتعلق باعفاء الجاني من العقوبة اذا تزوج بالضحية.

جرائم الاغتصاب من الجرائم العمدية التي تتطلب قصداً جنائياً بمجرد انصراف ارادة الجاني الى ارتكاب فعل، وعلمه باستخدام اكراه الضحية، سواء القوة او العنف او الحيلة، فالجاني قد خالف الشريعة الاسلامية بارتكابه اقبح الجرائم إثما، فكيف يكافأ بتزويجه الضحية ليفلت من العقوبة؟! وكيف يكافأ باثبات النسب الى أمه؟

اي اختلال للعقل قد اصابنا عندما نقرن الضحية بجلادها؟ واي استقرار أسري ستحظى به تلك الانثى وألم الاغتصاب يلاحقها ولن يزيله زمن عنها؟ واي مهانة وذل وهوان سيصاحبها مع زوج جانٍ؟ وأي ذنب لابن المغتصبة ان ينسب لأمه؟ على المشرع ان يقف وقفة حازمة وان يلغي المادة 182، ولا يجعل من المفسدة قانوناً يحميه.

* نقلا عن "القبس" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.