.
.
.
.

جريمتان

فهمي هويدي

نشر في: آخر تحديث:

الحادث المفجع الذى أودى بحياة ١٦ مواطنا مصريا فى حى العجوزة بالقاهرة بمثابة جرس إنذار جديد، لا أعرف متى يمكن أن يؤخذ على محمل الجد. كما أننى لا أعرف كم مصريا يجب أن يحترق أو يختنق حتى يستيقظ المسئولون وينتبهوا إلى أن ثمة إرهابا من نوع آخر يهدد راحة المصريين وأمنهم.

أتحدث عن جريمة إحراق الملهى الليلى غير المرخص بواسطة بعض البلطجية لأسباب فصلت فيها الصحف خلال اليومين الماضيين. إذ لأن الحادث كان مروعا وقاهريا فقد نال ما يستحقه من اهتمام من جانب الأجهزة الأمنية والإعلامية. إلا أننى أخشى أن ينحصر الاهتمام فى حدود الجريمة المروعة التى وقعت، بحيث ينصرف عن جريمة أخرى أكبر وأفدح مسكوت عليها منذ سنوات، حتى استشرت وباتت تستفحل حينا بعد حين. أعنى بذلك الفساد فى المحليات الذى أصبح مصدرا لبلاء عظيم مهددا للاستقرار والأمن. ومشكلة ذلك التهديد الذى أصنفه ضمن الإرهاب الخفى أن ضحاياه هم الناس العاديون الذين قليلا ما تسمع أصواتهم ولا يكترث بأوجاعهم، ولو أن بعض ذلك التهديد وجه إلى أجهزة الأمن أو مؤسسات النظام وهيئاته لكان له شأن آخر يستصحب أعلى درجات الاستنفار والحزم وتغليظ العقوبة.

الحالة التى نحن بصددها، التى كانت وراء فاجعة العجوزة، نموذج مصغر لما أدعيه. فمسرح الحدث ملهى ليلى أقيم فى قلب حى سكنى ومارس نشاطه وذاع أمره، وجذب نوعيات مختلفة من الرواد، الذين كان بينهم بعض البلطجية وأرباب السوابق. وكان هؤلاء وراء المشاجرة التى انتهت بإحراق الملهى بمن فيه فجر يوم الجمعة الماضى ٤/١٢. فى حدود ما هو متداول فى وسائل الإعلام فإن التحقيق كله منصب على الجريمة التى وقعت والجناة الذين كانوا وراءها، لكننى أشك كثيرا فى أن يتسع نطاق التحقيق والتحرى بحيث يجيب عن السؤال لماذا وكيف تم الترخيص بإقامة ملهى ليلى فى قلب الحى السكنى، ولماذا وكيف استطاع أصحاب الملهى مواصلة نشاطهم دون أى ترخيص؟.. مثل هذه الأسئلة ليست محيرة لأن الإجابة واضحة ويعرفها القاصى والدانى، بحيث لا تحتاج إلى تحقيقات أو تحريات. ذلك أن الجميع يعرفون جيدا أن الرشاوى هى السبيل الوحيد والسلاح الأمضى لإنجاز المعاملات التى من ذلك القبيل، وكل صاحب مصلحة لا يعنيه فى قليل أو كثير ما هو الوضع القانونى للمنشأة أو المشروع الذى يسعى إلى تنفيذه. لأن أكثر ما يهمه هو ما هو المبلغ المطلوب لاستخراج الرخصة وكيف يمكن الوصول إلى صاحب القرار الذى سينجز المعاملة فى نهاية المطاف. وليست هذه أسرارا لأن التسعيرة باتت معلومة والسماسرة جاهزون للقيام بالواجب وصاحب القرار لن يقصر فى الاستجابة بعد دفع المعلوم، لا أريد أن أعمم بطبيعة الحال، لأن الشرفاء ونظيفى اليد موجودون، لكنهم محجوبون بممارسات الأغلبية، التى باتت تعتبر «التراخيص» بابا واسعا ــ وسهلا ــ للثراء وتعويض ما قصر الراتب المتدنى عن الوفاء به.

لا أتحدث عما أسمعه أو أطالعه فى الصحف، لأننى أعيشه فى محيطى السكنى وألمسه حيثما ذهبت. حتى أزعم بأن الأحياء ذات الوضع الخاص، القاهرة مثل مصر الجديدة أو الزمالك تعرضت لغزو أصحاب المقاهى والمطاعم والأبراج السكنية المخالفة للقانون، والتى لا يمكن أن يصرح بها إلا بعد دفع الرشاوى التى تهدر الشروط والأحكام وتغمض أعين السلطة عن المخالفات والتجاوزات. وبسبب تلك التجاوزات فإن مصطلح الحى السكنى أصبح بلا معنى، حيث تمت استباحة كل الأحياء لصالح التجار والمضاربين والباحثين عن الربح السريع.

إن ما جرى فى حى العجوزة جاء كاشفا للجريمة الثانية التى تحدث بعيدا عن الأعين، التى تفتح الأبواب واسعة للفوضى وما تستصحبه من تداعيات. وقتل ١٦ شخصا فى ملهى غير مرخص ليس سوى بعض تلك التداعيات، فى حين أن إزعاج السكان وترويعهم وتحميل المرافق العامة بأضعاف طاقتها وتحويل الأرصفة إلى مقاه والشوارع إلى ملاعب حينا ومقالب للقمامة فى أحيان أخرى. ذلك كله من تداعيات الجريمة الثانية.

إننا مستمرون فى هدم القاهرة التاريخية وتشويه القاهرة الحديثة حتى أصبحت طاردة للقادرين من سكانها، الذين اتجهوا إلى الأطراف والضواحى البعيدة، كل ذلك بسبب فساد المحليات وإهمال مسئوليها الذين لا يخضعون لأى حساب، إلى جانب القصور التشريعى الذى شجع المغامرين والجشعين على مواصلة انتهاكاتهم دون وجل أو خجل.

إن كارثة المحليات هى الجريمة الكبرى التى أفرزت ما لا حصر له من المفاسد والشرور. والسكوت على ما يجرى فيها جريمة أخرى ينبغى أن يوضع لها حد، وليت الذين يتعقبون المشكوك فى ولائهم للنظام يلقون نظرة على المنحرفين من موظفى المحليات الذين يؤرقون خلق الله ويفسدون عليهم حياتهم، أما الذين ملأوا الأحياء السكنية بالمقاهى والمطاعم والملاهى فينبغى أن يعاد النظر فى أمرهم، بحيث لا يسمح لمخالفاتهم بأن تستمر وتصبح جزءا من الواقع القبيح والمشوه الذى فرضوه علينا.

* نقلا عن "الشروق" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.