رحلة البحث عن الموارد!

عبد المنعم سعيد
عبد المنعم سعيد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

أمامنا ثلاثة أهداف كبرى نسعى إلى تحقيقها: تنفيذ عدد كبير من المشروعات «العملاقة» التى بزغت فى الفكر التنموى المصرى خلال العقود الماضية، وآن أوان انتهاء الكلام، والبدء فى التنفيذ السريع؛ وتحقيق قفزة كبيرة فى معدلات النمو المصرية، من خلال تشجيع رأس المال المصرى والأجنبى على الاستثمار بحجم وقدر لا يقل ما لم يزد على المشروعات العملاقة؛ وتجديد تسليح القوات المسلحة المصرية بالقدر الذى يجعلها قادرة على أداء مهامها القتالية داخليا فى مواجهة الإرهاب، وخارجيا بتحقيق التوازن الاستراتيجى فى المنطقة ومواجهة التحديات التى تهدد الأمن القومى.

الأهداف الكبرى الثلاثة تنطلق من هدف كبير يجمعها معا وهو الحفاظ على الكرامة الوطنية لمصر وللمصريين. وبصراحة كاملة فإن عدم تحقيق هذه الأهداف سوف يعنى استمرار الأحوال الراهنة فى مصر، وهى فيها من الوهن والضعف ما يكفى لكى يرانا الآخرون، ومن بينهم أشقاء، نبالغ فى قدراتنا، ولا نعرف مقامنا الحقيقى، ونعيش حالة نفسية من «الإنكار» لما هو واقع. وعلى من يشك فيما أذكر أن يقرأ مقال «خالد الدخيل» عن مصر فى صحيفة «الحياة» اللندنية لكى يعرف أنه آن الأوان لكيلا ننام الليل.

لا أريد الدخول فى جدل مع ما يقال ويكتب فى الإعلام الغربى أو العربى عن مصر، ليس فقط لأن فيه بعضا من الحقيقة، وإنما لأن الرد عليه يكون فى «الملعب» الذى هو تنفيذ الأهداف الثلاثة المذكورة عاليه خلال زمن لا يزيد على عقد من الزمان، وساعتها يكون لكل حادث حديث. وبصراحة مرة أخرى، فلا يوجد أمامنا اختيار آخر، فالدول والأمم إما أنها تصعد، أو أنها تأخذ فى الهبوط التدريجى أولا ثم الانهيار السريع ثانيا. ولا أعرف فى أى نقطة نحن الآن، فعدد السكان دخل إلى أرقام فلكية، ورغم الجهود المبذولة فإنها أقل مما نحتاج، وأحيانا فإن عائدها لن يأتى إلا بعد سنوات طويلة. أيا كانت النقطة التى نحن فيها فهى ليست داعية للتفاؤل، والتشاؤم فيها ناجم عن ضعف الاعتقاد فى إمكانية توفير الموارد اللازمة لتحقيق هذه الأهداف فى نفس الوقت. وهذا يمكن الاختلاف معه برصد ما لدينا من موارد، وسوف نكتشف أن لدينا منها الكثير، فقضيتنا ليست الموارد بقدر القدرة على استخلاصها واستخدامها بالحكمة المطلوبة. الموضوع فى الأول والآخر هو العمل والإدارة؛ وكما يقال بين خبراء التنمية أنه لا يوجد بلد غنى وآخر فقير، وإنما هناك بلد لدى أهله قدرة كبيرة على العمل، وحكمة كبيرة فى إدارة الموارد بما فيها العمل.

الخبرة الشخصية فى الإدارة تقول إنه فى كل مؤسسة- والدولة مؤسسة هائلة الحجم- هناك عدد من المصادر الأساسية للدخل. وفى المؤسسات الصحفية الكبرى فإن مصادرها الكبرى ثلاثة: الإعلانات، والطباعة، والتوزيع. فى مصر كلها فإن مصادرها أكثر: السياحة، تحويلات العاملين المصريين فى الخارج، قناة السويس، الصادرات، المنح والمعونات الخارجية، وحتى وقت قريب كان البترول والغاز. هنا تحديدا تكون نقطة البداية حيث يوجد ما نعرفه بالفعل، ونحصل منه على موارد قلت أو زادت، ولكن لدينا الخبرة فيها لكى نحصل على مليارات الدولارات؛ ولكننا أيضا نعرف جيدا أننا لا نحصل من كل ذلك إلا القليل وأنه يمكن بقدر من الجهد فى العمل والتفكير أن نضاعف على الأقل، وخلال فترة زمنية وجيزة، ما يأتى من هذه المصادر، وربما ما هو أكثر.

هنا لدينا قصة نجاح، والعديد من قصص الفشل. قصة النجاح معروفة فمورد قناة السويس كان محدودا، والآن مع إضافة المشروعات المعروفة فإن تطلعاتنا لن تكون مرتبطة بزيادة عدد السفن المارة، وإنما باستخدامها لما لدينا من خدمات ووسائط، فضلا عن انتهاز الفرصة لتنمية شاملة للإقليم كله شرق وغرب القناة. قصة الفشل لن يكون شكلها هكذا عند البداية، فالعاملون المصريون فى الخارج قاموا بتحويل قرابة ٦٠ مليار دولار خلال السنوات الثلاثة الماضية، أى أكثر من ضعف المعونات العربية والدولية لمصر، بل إنها ثمانية أمثال ما دفعه المصريون للاستثمار فى مشروع قناة السويس. هذا الرقم يمكن مضاعفته بمجرد تحسين مناخ الاستثمار فى مصر، وكل ما نحتاجه ترجمة ما يراه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى زياراته للدول الأجنبية إلى واقع مصرى. المصريون فى الخارج أثبتوا مرارا وتكرارا أنهم مرتبطون بمصر، وبعائلاتهم فيها، ويعرفون أن عائد الادخار والاستثمار أعلى فى مصر منه فى الدول التى يعيشون فيها.

الصادرات مرتبطة إلى حد كبير بحجم الإنتاج الصناعى والزراعى، وكلاهما فرصة هائلة إذا ما كان لدينا «سياسة زراعية»، و«سياسة صناعية»، ومعهما «سياسة مائية». جوهر هذه السياسات مطروح بالفعل فى مصر، بل إنه مجرب فعلا، سواء على مستوى الزراعة فى الصحراء، أو داخل الوادى؛ أو الصناعة من أول تلك الغذائية وحتى الحديد والصلب و«الصناعات الثقيلة»؛ بل إن فى مصر علامات مبشرة على تصاعد الشركات الصغيرة المنتجة للإلكترونيات، والتى تصدر بقرابة ٢ مليار دولار حاليا. ما يقف أمام كل ذلك وانطلاقه إلى آفاق جديدة أمران: البيروقراطية، والسياسات الحكومية ذات الطبيعة الانتقامية من كل مستثمر، وكل غنى، وكل من يضيف، وكل من يعطى. مواجهة كلتيهما عملية سياسية من الطراز الأول لم يتم تفعيلها حتى الآن، نظرا لفجوة الثقة فى القطاع الخاص، والقطاع المدنى، والاعتقاد المثالى أن الناس إما أن تعمل من أجل مصر، أو أنها- لا قدر الله- ربما تريد كسب المال!. وللأسف فإن العماد الأساسية للأسواق ونموها وتوفيرها لفرص العمل والموارد- قامت على مدى التاريخ على أساس مفهوم «الربح»، وليس الحد الأدنى أو الأقصى للكسب.

السياحة فيها بعض من كل ما سبق، ورغم الظروف الصعبة التى تعيشها حاليا، فإن دروسا يمكن استخلاصها من التجربة من ناحية، والبحث ممكن للخروج من هذه المأساة من ناحية أخرى. الدرس الذى نتعلمه هو أن المنشآت السياحية عليها التعلم من فضيلة «التأمين» ضد الإرهاب، والظروف غير العادية، وهذا يوفر موارد كبيرة للاستثمار، ويشكل منقذا ساعة المواقف الصعبة. والخروج من المواقف الصعبة يعود بنا فورا إلى «السياسة» التى تعرف كيف تؤكد بمصداقية أن ما يقع لدينا هو ما يجرى لدى الآخرين؛ وإلى الحقيقة التى تقول إن السياحة فى مصر متنوعة المناطق، والأنواع الثقافية والترفيهية والخدمية. لا أريد الدخول فى التفاصيل الفنية، ولكن أهل السياحة يعرفون جيدا كيف يتعاملون مع الموقف الحالى إذا ما توقفت الدولة عن التعامل مع السياحة على طريقة ذبح الدجاجة التى تبيض ذهبا. وكلما نجحنا فى جذب الشركات الأجنبية للعمل فى مصر، فإن قدراتنا على امتصاص الأزمات ستزيد.

وهكذا، يمكن أن تسير الأمور فى كل ما لدينا من موارد طبيعية لا تستغل بالقدر الكافى. ولكن ما هو متاح على قدر ما فيه سوف يحتاج المزيد، وربما يحتاج بعضا من التكلفة السياسية. فالعالم لم يتم تخطيطه على الطريقة التى تروق لنا، وللأسف فإن أحدا فيه لم ينتظرنا، والأغلبية فيه، صوابا أو خطأ، يعتقدون أننا حصلنا على أكثر مما نستحق. ولذا فإن العالم كله لن يعطينا مرة أخرى لنفس الأسباب التى استخدمناها فى الماضى، ولذا فإننا نحتاج لإدارة علاقاتنا الدولية والإقليمية، بالطريقة التى تخلق لنا موارد إضافية تقوم على الشراكة، والسوق، والسير نحو مستقبل مشترك.. والمؤكد أن للأمر تفاصيل كثيرة.

* نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط