الدستور الليبي ومعضلات تصنعها اللجنة

أحمد الفقيه
أحمد الفقيه
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لو لم أكن قد شاهدته شخصيا يتكلم عبر الشاشة الصغيرة، لما صدقت أنه قال ما قال. أقصد بذلك رئيس لجنة الدستور الليبي، وهو يتحدث عن المعضلة الكبرى التي تواجه لجنته، وتسببت في تعطيل صياغة الدستور، كل هذه المدة التي ستصل بعد شهرين إلى مرور عامين على إقرارها، هو بالتأكيد رقم قياسي في صياغة الدساتير، فقد أخذت مثل هذه اللجنة بضعة أسابيع في مصر التي نعلم ما كانت تواجهه من صعوبات، ومدة مثلها في تونس، وهما البلدان اللذان تزامنا مع ليبيا في إنجاز ثورتيهما.

المعضلة الكبرى التي يضعها كأول العوائق المعرقلة لخروج الدستور، هي الاتفاق على عاصمة البلاد، وأن لديه لجنة تم فرزها للنظر في هذه المعضلة، وأن عملها ظل مجمدا، ولعله سيبقى مجمدا تجميدا أبديا، فلا مانع من مضي عامين يتبعهما عامان، ولا داعي للعجلة فهي من الشيطان، ولتبق أزمات ليبيا تزداد استفحالا وتراكما، إلى أن يحل رئيس اللجنة هذه العقبة الكأداء.

ولا ندري كيف خفي على رئيس اللجنة وعلى ستين عضوا هم جملة أعضائها، ما يعرفه كل مواطن ليبي، وهو أنه ليس هناك إجماع في ليبيا على أي شيء آخر، مثل إجماع الليبيين على أن طرابلس هي العاصمة الأبدية لليبيا، وهو ما هتفت به جماهير الشرق الليبي في بنغازي والبيضاء وطبرق والمرج، قبل أن تهتف به مدن الغرب، أو سكان طرابلس نفسها الذين يمثلون ثلث الشعب الليبي، فهناك مليونا نسمة في طرابلس وفق الإحصائيات الرسمية، من ستة ملايين هم مجمل عدد السكان، فكيف بعد هذه الحقائق الواضحة، تصبح العاصمة معضلة لدى رئيس اللجنة، إن لم تكن مجرد تعلة لإبقاء الدستور المزمع صياغته مجمدا داخل الثلاجة التي أعدها له رئيس الهيئة الدستورية، لأغراض لا يعرفها إلا علام الغيب.

ولعله خيرا فعل، فهذا التجميد أعطى الفرصة لحراك حقوقي وتشريعي ودستوري، يتنامى في ليبيا، من أجل العودة إلى الدستور الملكي، واعتماده سبيلا إلى مباشرة الدخول في بناء الدولة، استنادا إلى عدة نقاط أجملها مناصرو هذه المبادرة في النقاط التالية:

أولا؛ حقيقة أن الدستور الملكي لم يبطله انقلاب عام 1969، بل قام بتعطيله بالقوة القاهرة، مما يؤكد استمراره وشرعيته ولا وجود لشيء قانوني دستوري أبطله.

ثانيا؛ اعتماد هذا الدستور في ليبيا سينجيها من الفراغ السياسي والدستوري الذي يزيد من حدة الأزمة.

ثالثا؛ العودة إلى الشرعية الدستورية سوف تحفظ سلامة وسيادة الأراضي الليبية، وتدرأ أي محاولة للتجزئة والانفصال.

رابعا؛ لا يمكن بناء مؤسسات الدولة والحفاظ على سيادة القانون وتعزيز حماية حقوق الإنسان في غياب دستور يشكل الركيزة لبناء الدولة المدنية والديمقراطية.

وكما نعلم فهو دستور تم إقراره من حراك الاستقلال وآباء الدولة الليبية الحديثة بقيادة إدريس السنوسي، وهو كما نعلم رئيس حركة دينية، فلا أحد يمكن أن يزايد على إيمانه وعلى إسلامه، وكان قد اكتفى بأن جعل مادة الدين في الدستور هي تلك التي تقول إن الإسلام دين الدولة، وأقام دولة كفل فيها الحريات وعدم تدخل الدولة في ما يأكل ويشرب الناس ولا في أسلوب معيشتهم ووسائل الترفيه التي يختارونها.

وتقول الأدبيات التي تطالب بعودة الدستور الملكي بتعديله الذي تم عام 1964، إنها عودة لفترة انتقالية من شأنها أن توفر الوقت والإطار القانوني اللازمين لتعديله واستفتاء الشعب عليه وإقرار ما إذا أرادوا نظاما ملكيا أو جمهوريا برلمانيا أو رئاسيا.

وهناك خبراء دستوريون كبار بينهم الدكتور مسعود الكانوني، يقولون إن الدستور الملكي قائم شرعا، وأن فترة الحكم الانقلابي فترة غير شرعية، وتمثل انقطاعا حصل لظرف طارئ، وبزوال الانقلاب يعود الدستور فاعلا وعاملا وشرعيا دون أدنى عائق قانوني. فالانقلاب لم يؤسس لحياة دستورية أو نيابية ولم يعد إلى الشعب لأخذ رأيه في وجود ذلك النظام أو عدم وجوده. وهناك دفوعات دستورية قدمت في محكمة اسمها محكمة الشعب قدمها رجال القانون، كانت تقضي بلا دستورية النظام نفسه، انتهى الأمر بتصفيتهم جسديا كما حدث للمحامي الشهيد محمود نافع ولناشطين قانونيين وحقوقيين مثل الشهيدين محمد حمى وعامر الدغيس.

الحراك الذي يدعو إلى العودة للدستور الملكي نال دعما جديدا باتفاق تونس بين وفد مجلس النواب وبين وفد المؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، حيث أشار الاتفاق إلى أن العودة إلى هذا الدستور تشكل مطلبا شعبيا وتقدم حلا للفراغ الدستوري خاصة أنه ينص في إحدى مواده أن الحكومة في حالة وجود فراغ في السلطات التشريعية تمنح هي هذه السلطات إلى حين انتخاب برلمان جديد، وهو ما يلائم الحالة الليبية.

أما لجنة الستين المكلفة بصياغة الدستور، فلم يبق لها غير تبني الدعوة إلى العودة إلى الدستور الملكي، ولتتفضل بتقديم الإضافات والتعديلات، لكي لا يتجاوزها الزمان ويلفظها الشعب الليبي.

* نقلا عن "العرب" اللندنية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط