الشورى وثقافة السمع والطاعة

محمد حبيب
محمد حبيب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

المتأمل فى آيات التنزيل العزيز يجد للشورى مكانة كبرى، وذلك للدور المهم الذى تلعبه فى حياة الأمة.. انظر إلى قوله جل وعلا: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ» (الشورى: ٣٨)، وقوله تعالى: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (آل عمران: ١٥٩).. لعلنا نلاحظ فى الآية الثانية هذا الربط المعجز بين الرحمة بالمؤمنين، والعفو عنهم، والاستغفار لهم، وأمر الله تعالى لرسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) أن يستشيرهم، وألا يبرم أمراً دونهم.. هى -إذاً- رسالة وأمر إلى الحكام والمسئولين ألا يستبدوا بشعوبهم، وألا يستأثروا بقرار أو أمر هو حق من حقوقهم، بل عليهم أن يستشيروهم ويأخذوا رأيهم، تحقيقاً للمصالح من جانب، وتجنباً للوقوع فى المهالك من جانب آخر.. وإذا كان المولى تعالى أمر المؤمنين بطاعة رسوله كما فى قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِى الْأَمْرِ مِنكُمْ» (النساء: ٥٩)، بل جعل طاعة الرسول من طاعته سبحانه كما فى قوله: «مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ» (النساء: ٨٠)، وقوله: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ» (النساء: ٦٤)، فإن ذلك يخص الدين الذى أنزله الله تعالى على رسوله وأمره أن يبلغه للناس.. أما ما يتعلق بالأمور الدنيوية ولم يتنزل بها وحى، فها هنا يأتى الحوار والمناقشة والمراجعة، وقد حدث هذا من الصحابة (رضوان الله عليهم) للحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم).. أما ما يتعلق بطاعة أولى الأمر الواردة فى الآية فهى مرتبطة بالمعروف وليس فيما يخالف شرع الله تعالى.. فقد جاء من حديث على (رضى الله عنه) أنه قال: بعث النبى (صلى الله عليه وسلم) سرية، فاستعمل رجلاً من الأنصار (أى جعله أميراً عليهم) وأمرهم أن يطيعوه، فغضب الأمير (ربما لشىء فعله بعضهم) فقال: أليس أمركم النبى أن تطيعونى؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا إلىَّ حطباً، فجمعوا.. فقال: أوقدوا ناراً، فأوقدوها. فقال: ادخلوها، فهموا (أن يفعلوا)، وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون: فررنا إلى النبى من النار (فهل ندخلها بعد أن هدانا الله إلى الإيمان)، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه (أى أمير القوم).. فبلغ النبى (ما حدث) فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة.. الطاعة فى المعروف». وفى رواية لمسلم، أنه قال للذين أرادوا أن يدخلوها: «لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة»، وقال للآخرين قولاً حسناً. وقال: «لا طاعة فى معصية الخالق، إنما الطاعة فى المعروف».

فى المؤسسة العسكرية للدولة لا بد أن تسود ثقافة «السمع والطاعة والثقة فى القيادة»، على كافة المستويات، من أعلى قائد حتى آخر جندى فى الصف.. وهذه الثقافة تؤدى فى الواقع إلى تماسك المؤسسة العسكرية، وفى ذلك وحدتها وقوتها، وجعلها قادرة على الوفاء بمسئولياتها بكفاءة عالية، فى الحرب والسلم على السواء.. وأى مؤسسة يغلب عليها روح التمرد والعصيان وعدم الامتثال للأوامر أو التعليمات، يجعلها أمام فوضى واضطراب، يستحيل معهما إنجاز أى مهمة.

فيما يتعلق بالأحزاب المدنية، هناك ما يسمى الالتزام الحزبى، أى التزام الفرد سواء كان فى القيادة أو فى الصف، بالسياسات والتوجهات العامة للحزب فى مختلف القضايا، والقرارات، والمواقف.. وهو يختلف عن ثقافة السمع والطاعة والثقة فى القيادة، التى تميز المؤسسات العسكرية، إذ فيه قدر من التحرر من روح الانضباط، ومساحة ربما أكبر فى المناقشة والاختلاف، وحق كامل فى مساءلة وسحب الثقة من القيادة فى إطار قانون الحزب.. ويعتبر الالتزام الحزبى أحد المصادر المهمة لقوة الحزب، التى تتعزز من خلال التزامه بمؤسسية اتخاذ القرار.. إذ مما لا شك فيه أن الحزب الذى يمارس الديمقراطية داخله بشكل حقيقى وفاعل، يكون قادراً على التواصل والتفاعل مع الجماهير، بل يكون قادراً على طرح حلول لمشكلاتها، وكلها أمور تجعله مؤهلاً للوصول إلى السلطة.. ولا يختلف الوضع فى بقية مؤسسات المجتمع المدنى (نقابات وجمعيات) عن الأحزاب فيما يتعلق بالالتزام، وفى التواصل والتفاعل مع جماهيرها -بصفة خاصة- غير أنه لا يكون هناك تنافس فيما بينها على السلطة.

فى جماعة الإخوان تمثل ثقافة السمع والطاعة والثقة فى القيادة جانباً رئيسياً فى فكرها ومنهجها، وهما أكثر شبهاً بنظيريهما فى المؤسسة العسكرية.. صحيح توجد شورى وانتخابات فى المستويات المختلفة، لكنهما يتمان بشكل صورى.. وصحيح أيضاً أن السمع والطاعة يكونان فى المعروف، ولا يكونان فى أمر فيه معصية لله تعالى، إلا أن إيمان الأفراد بمدى إخلاص وصدق القيادة وأنها صاحبة تضحية طويلة وعميقة فى السجون والمعتقلات جعل الأفراد يوقنون بأن هذه القيادة لا يمكن بحال أن يصدر عنها ما يخالف قيم الإسلام وتعاليمه، بل يؤمنون إيماناً راسخاً -رغم بشريتها- بأن الحق والصواب معها دائماً وهو ما يضفى عليها هالة من القداسة التى نهى عنها الإسلام، وأنها -أى القيادة- تعرف ما لا يعرفه الأفراد، وأنها لا يمكن أن تصدر قراراً أو توجيهاً إلا بعد دراسة وتمحيص.. ترتب على هذا كله استحالة أن يرد على خاطر الأفراد -ولو للحظة- أن يسائلوا قيادتهم على موقف اتخذته، حتى وإن بدا واضحاً لكل ذى عينين مدى الخطأ فيه.. ومن هنا سلبت عقول الأفراد، فهم لا يفكرون، بل هناك من يفكر ويخطط ويدبر لهم، وما عليهم إلا تنفيذ ما يؤمرون به.. هكذا اعتاد الأفراد.. إذا اتخذت القيادة قراراً بالسير نحو الشرق، ساروا خلفها دون تعقيب، وإذا غيّرت القيادة وجهتها نحو الغرب فعلوا مثلما تفعل دون مناقشة ودون أن يسألوا لماذا كان التغيير.. وفى أى موقف يقتضى تصرفاً عاجلاً تجدهم ينتظرون الأوامر والتوجيهات.. هم يخشون أن يتخذوا موقفاً، فيعرضون أنفسهم للمساءلة والاتهام بعدم الانضباط(!) لذا، تجدهم مترددين، مرتعشين، وليست لديهم جرأة الإقدام على المراجعة والتغيير، فضلاً عن الابتكار والإبداع.. وجماعة هذا هو شأنها لا بد أن يكون الفشل ديدنها.. ونهايتها.

* نقلا عن "الوطن" المصرية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط