"القاعدة".. الباحثة عن لذتها بالقتل!

حسن المصطفى
حسن المصطفى
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

الفيلم الوثائقي "كيف واجهت السعودية الإرهاب"، الذي بثته قناة "العربية" في ثلاثة أجزاء متتالية، وأنتجته شركة OR Media، ضم العديد من المشاهد المصورة بكاميرات أفراد تنظيم "القاعدة" أنفسهم، أثناء تدريباتهم العسكرية، أو التحضير لعمليات التفخيخ والتفجير، وكاميرات رجال الأمن التي صحبتهم في كل العمليات والأهم أيضا، تلك الصور التي تظهر الجانب الحياتي لنفر من الشباب، وكيف كانوا يتصرفون مع بعضهم البعض، وكيف هو مستوى تفكيرهم، أو ما هي طموحاتهم في الحياة.

ربما يكون واحداً من أبلغ المشاهد، ذلك الذي يظهر فيه شاب يحمل لوحة سيارة مزورة كتب عليها "ح و ر 72"، وهو مغتبط بها، فرح بعناقها، في إشارة واضحة لا تخفى على حصيف، لما يعتقد أنهن "الحوريات" اللواتي ينتظرنه في الجنان، بعد أن ينفذ عمليته، ويقضي نحبه!.

المشهد بقدر بساطته، بقدر ما هو معقد ومركب. فهو يكشف كيف يسعى الإنسان إلى الذهاب نحو لذة حسية، جسدية، يفترض أن فيها من المتعة الشيء الكثير، ولكنه لا يصل إليها إلا من خلال الدم والقتل!. وهنا يلح سؤال يتعلق بمفهوم "العنف". ذلك السلوك الذي يتجاوز الممارسة الفردية الحرة، ليتعداه ليكون "اعتداء" على الآخر.

الموضوع له بعد نفسي غائر، وهو يؤكد ما ذهب له سيغموند فرويد من أن "الإنسان ليس كائنا هادئا، في حاجة للحب. إنه يريد أن يكون هو الكل وأكثر.. حيث نجد لديه بالفعل، من بين الاستعدادات الغريزية، جزءا كبيرا جدا من الميول نحو الاعتداء".

هذا الميل نحو الاعتداء، هو على علاقة وطيدة مع النزعة نحو فرض السيطرة والنفوذ، والسعي الدؤوب نحو أن "يكون هو الكل وأكثر". الأمر الذي يجعل أفراد "القاعدة" غير عابئين لحيوات الآخرين، وغير مكترثين بما يسفكونه من دماء، ويحزونه من رؤوس، ما دام ذلك يرتبط بدافع غريزي داخلي، ساعد على تغذيته خطاب أصولي يتذرع ب"المقدس".

لا يمكن أن يقرأ المشهد من زاوية تأثير الخطاب المتطرف على هذه المجموعات من الشباب وحسب، بل، القراءة السسيولوجية والنفسانية هي الأخرى مهمة وملحة، لكي تعطينا تفسيرا واضحا.

عندما يعتقد شاب أن بمقدوره بسلاحه هذا أن يكون ندا للدولة بما تمتلكه من أذرع سياسية وأمنية واقتصادية. وعندما تنمى فيه روح المغامرة، وتقدم له في صورة أسطورية، يحضر فيها "البطل" بوصفه "إمكانا" وليس نموذجا متعسرا، أو شخصية ما ورائية لا يمكن مداناتها، وحين يصاغ خطاب يقوم على تحفيز الموروث الديني والاجتماعي والذكوري في ذهن المتلقي، فلا عجب أن نجد شبانا كأولئك الذين أظهرهم الوثائقي، يقاتلون بشكل شرس، وبوثوقية عمياء، دون أن يكون هنالك هدف واضح لدى جلهم.

لو سألت مجندي "القاعدة" عن سبب التحاقهم بالتنظيم، وأهدافهم التي يسعون نحوها، فإنك ستجد إجابات بسيطة، متلعثمة، لا تمتلك رؤية أو حتى فكرة عن مدى خطورة ما يقومون به. ولا أدل على ذلك من مشهد آخر في الوثائقي، يظهر فيه شاب يريد أن يسجل وصيته، وزميله يسأله، فيما "الانتحاري" الشارد، لم يستطع أن يستوعب السؤال، وبعد عدة محاولات فاشلة، يطلب من سائله أن يخاطبه بكلام بسيط وباللهجة الدارجة!.

صحيح أن الأصولية تشكلها الخطابات العنيفة، والتي يصيغها أفراد وقادة، يمارسون من خلالها سطوتهم على الأتباع، لكن الاشتغال فقط على خطاب الرموز والفاعلين الكبار، لن يقود لنتائج فعلية مهمة وسريعة. ولذا، من الضروري أن يتم التوجه لفهم عقل الأتباع، والعوامل الرئيسة والمباشرة التي تشكله، وتؤثر فيه، وتجعله طيعا، ينقاد لخطاب الأصوليين أكثر من تأثره بالخطابات المدنية والحديثة.

إنها مهمة تحتاج إلى رؤية تعمل معها المناهج السيسيولوجية، عوض التفسيرات النمطية الرائجة، والتي تعتم الرؤية، بدلاً من إيضاحها.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.