نحو تجمّع عصري للدفاع عن الإسلام والعروبة

مصطفى الفقي
مصطفى الفقي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
8 دقائق للقراءة

يثير المشهد الدولي الراهن، شبهات قوية توحي بأن الإسلام والمسلمين سيدفعون فاتورة الأحداث الأخيرة في أوروبا والشرق الأوسط، مثلما حدث في 11 أيلول (سبتمبر) 2001. ويتوقع كثر من الخبراء أن تجري تحولات كبرى في السياسات الدولية والمحاور الإقليمية، ذلك أن هذه الأحداث لم تبدأ من فراغ، وإنما تبدو وكأنما جرى التدبير لها لحصد نتائجها منذ فترة بعيدة. ولعلّنا نلاحظ هنا، أن الخلط بين المسلمين والعرب - مهما كانت دياناتهم - هو حقيقة ثابتة في العقل الغربي الذي يرى أن العرب مدانون قبل غيرهم، وأن هذه الإدانة ليست بالضرورة دينية فقط. لذلك لاحظنا في الأعوام الأخيرة، أن معاملة الغرب قطاعات من المسيحيين العرب لا تختلف عن معاملتهم المسلمين. وما زلنا نتذكر بعد 11 أيلول، أنه قُتل صاحب «سوبر ماركت» صغير في إحدى الولايات الأميركية، لأنه كان يعلّق على الحائط صورة للبابا الراحل شنودة الثالث، ولم يفرق قاتلوه بين ذلك الحَبر القبطي المصري وبين من يرفعون صورة بن لادن، فاللحية واحدة والملامح متشابهة. والآن، دعنا نناقش الملاحظات الآتية:

أولاً: يتصوّر البعض أن استهداف العرب والمسلمين ظاهرة مستحدثة، بينما استقراء التاريخ يوحي بغير ذلك، وهل كانت حروب الفرنجة المسماة خطأً بالحروب الصليبية إلا حلقة من ذلك الصراع، وهل كانت المواجهة في الأندلس وطرد العرب منها إلا حلقة أخرى من ذلك الصراع الطويل أيضاً، والذي يبتعد من الحس الحضاري والفهم الصحيح لروح الديانات المختلفة؟ ومن يتابع قراءات المستشرقين وكتاباتهم، سيكتشف أنه على رغم اهتمامهم بالعالمين العربي والإسلامي وتخصّصهم في شؤونه، إلا أن كثيراً مما كتبوا لا يخلو من تأكيد لما نسعى الى إثباته. والحقيقة، أن الخلفية التاريخية للعلاقة بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية المسيحية لم تكن سخاءً رخاءً في مجملها، لكنها عرفت فترات الضعف وعصور المواجهة من خلال محطات معروفة أثبتت دائماً أن الاستهداف الغربي تجاه المنطقة وارد عبر مراحل التاريخ المختلفة.

ثانياً: إن تأمّل تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب عموماً، يؤكد وجود أزمة ثقة بينهما، فالإنسان عدوّ ما يجهله، وكنا نتصوّر أنه بارتفاع وتيرة التواصل بين الجانبين ستنكمش مساحة الاختلاف بينهما، لكن الكشوف الجغرافية واستفحال الظاهرة الاستعمارية أكدا أطماع الغرب ونظرته الدونية الى حضارات الشرق، وفي مقدّمها الحضارة العربية الإسلامية. وظهرت المخططات المتواصلة للسيطرة على الشرق مع اهتمام خاص بما كان يُسمى الشرق الأدنى، والذي أصبحنا نسمّيه الشرق الأوسط. ويكفي أن نتأمل كتابات مؤرخ ومفكر غربي شهير هو برنارد لويس، وطريقة تداوله تغيرات الخريطة السياسية والمؤثرات التاريخية، خصوصاً في الشرق العربي الإسلامي، فهو الذي بشَّر قبل غيره بفكرة الاتجاه إلى مزيد من التجزئة والتقسيم لدول المنطقة، وعبَّر عن روح استعمارية انتهى عصرها واختفت رموزها ولكن لا يزال الحقد الدفين لدى أصحابها يطفو على السطح من حين إلى آخر.

ووجد أصحاب الهوى والغرض في أحداث العقود الأخيرة، مبرراً لمزيد من العدوان والطغيان كجزء من الصراع التاريخي في العلاقات بين الجماعات البشرية على المستويين الدولي والإقليمي.

ثالثاً: لا تزال منطقة الشرق العربي الإسلامي حتى الآن محطَّ أطماع، باعتبارها مهبط الديانات السماوية ومركز الثروات الطبيعية، فضلاً عن الأهمية الجيوسياسية لدولها، وهو ما يغري دائماً بالرغبة في السيطرة عليها وتحويلها إلى امتداد طبيعي للغرب ولو على حساب حقائق تاريخية. إن الجاذبية التي تملكها منطقتنا العربية هي أحد أسرار المدّ الأجنبي فيها والرغبة الدائمة في إضعافها حتى تظل متاحة لمن يحاولون السيطرة على مقدرات العالم وتوجيه مسار الأحداث لخدمة أهدافهم ومصالح دولهم.

رابعاً: إن الخطر الداهم الذي أصبح يتهدّد الإسلام والعروبة، يتمثّل في الأخطار الناجمة عن التنظيمات الإرهابية التي صنعها الغرب ثم اكتوى بنارها، مرة في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي السابق، ومرة أخرى في الشرق العربي استغلالاً لأحداث ما يسمى بالربيع العربي، في محاولة لتفكيك المنطقة وإسقاط كيان الدولة فيها، خصوصاً بعد «الثورة السورية» وما تلاها من أحداث دامية التحمت بمآسي العراق لتدفع بتنظيم إرهابي غير مسبوق هو «داعش»، الذي حظي بدعم لوجيستي تركي وتسليح أميركي وأموال عربية، متوهّمين أنه سيسقط نظام الأسد في دمشق، بينما واقع الأمر أنه أدى إلى تمزيق سورية واحتلال شمال العراق مع التمركز في ثاني المدن هناك وهي الموصل بتاريخها العريق ودورها الحضاري الطويل.

إننا أصبحنا أمام مشهد مزعج يؤكد أن هناك عقلاً يقف وراء كل ما يجري وأجهزة استخبارات دولية متقدّمة تتابع ما يدور وتمهّد له وتستفيد منه. بل إنني أظن أن الأطراف الأجنبية كافة تبدو راضية عما يجري لأنها مستفيدة على حساب شعوب المنطقة ومواردها وقوتها العسكرية والناعمة في آن واحد. ولا شك في أن الدولة العبرية رابح رئيسي في المحصلة النهائية من كل ما يدور، لأنه يساعد على تفكيك دول المنطقة ويجعلها وحدها متماسكة مستقرة. ويكفي أن نتساءل لماذا لم يحدث في إسرائيل حادث واحد من تلك الموجة الإرهابية التي ترفع الإسلام شعاراً وتدّعي أن دوافعها دينية؟

إن من يتأمل في ما يدور، سيدرك أن الهدف النهائي والأخير هو تقويض الكيان العربي وإضعاف العالم الإسلامي.

خامساً: إن الأحداث الإرهابية الكبرى مثل تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأميركية في كينيا وتنزانيا منذ عقدين من الزمان، مروراً بالحادث الأكبر وهو تحطيم برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 سبتمبر 2001، وصولاً إلى أحداث باريس الأخيرة، تبدو وكأننا ندفع ثمنها، نحن العرب والمسلمين، مرتين، مرة بما تسبّبه لنا من أضرار وأخرى بما تعكسه عن صورتنا لدى الآخر من ظلم، وتكون النتيجة غالباً خصماً منا وعبئاً علينا وتراجعاً عن المسيرة الطبيعية للتقدم والنهضة، فضلاً عن ضرب مقدرات الأجيال الجديدة من بدايتها. فالحصاد كارثي ودعم النتيجة شديد المرارة، ولننظر حولنا لنرى ما يدور على الساحتين الدولية والإقليمية وكيف أننا لا نملك مقدرات تسمح بتحقيق أهداف سعينا نحوها، وذلك يقتضي مراجعة شاملة للملفات السياسية والثقافية في حياتنا حتى نضع الدين في مكانه اللائق بعيداً من الاستخدامات المرحلية والألاعيب السياسية التي تحاول توظيفه لخدمة أهداف يبدو بعيداً منها.

سادساً: إن الغرب يدرك جيداً أن الإسلام الصحيح براءٌ مما يجري وبعيد مما يحدث، لكن الذين يريدون له صورة مشوّهة هم الذين يربطون بينه وبين الجرائم الإرهابية غير المبررة، حتى طالب مرشح في الانتخابات الأميركية بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وتلك قمة العنصرية والتعصّب، بل هي نوع من الإرهاب القائم على التعميم، والذي يسيء الى الإسلام والمسلمين، بل ويقسم العالم تقسيمات دينية نتصوّر أننا قد خرجنا منها منذ زمن بعيد، لكن لا تزال أصداؤها تضرب بجذورها في أعماق التاريخ تفتّش عن العُقَد وتستعيد الروح العنصرية بضراوة وخسة وغياب ضمير. إننا نريد عالماً يسعد فيه الجميع وتختفي منه الفوارق الدينية والعرقية والمظاهر العنصرية، وأن تنبثق روح جديدة تدعو إلى الإخاء والعدل والمساواة وكأننا نستدعي مبادئ الثورة الفرنسية من جديد.

سابعاً: إن ما يدور في عالمنا المعاصر هو جزء من دورة كونية عرفت فيها الإنسانية درجات عليا من التعصب والانغلاق والعداوات، التي تحاول أن تطيح كل من يسعى الى مد جسور التفاهم بين الحضارات والقوميات والشعوب، وهي نظرية معاكسة للتطور الطبيعي للإنسان، كما أنها ضد المسار المنتظر للبشرية، إذ لا يمكن التعميم تجاه دين معين أو قومية بذاتها أو شعوب من دون غيرها، إنها جرائم العصر بل هي أحزانه وآلامه ومآسيه.

بعد هذه الملاحظات الموجزة، يحسن أن نخرج بتوصيات إيجابية في هذا الشأن، لعلّ أهمها في نظري هو الاعتصام بحبل العروبة واستعادة قوة دفعها حتى يكون الانتماء القومي بديلاً لانتماءات أخرى، بل وقد يعلو عليها ويسبقها. ونحن لهذه المناسبة، ندرك أن التوصيات مكررة والعبارات متداولة، لكن المهم هو توافر عنصري الإرادة والرؤية حتى يمضي العالمان العربي والإسلامي على الطريق الصحيح بدلاً من الاستسلام للواقع والثرثرة حول نظرية المؤامرة مع الإحساس بالعجز الكامل عن التعامل مع الواقع بتطوراته السريعة وتحولاته المثيرة. فلا بد من نفض الغبار عن صورة الإسلام في العالم المعاصر، ولا بد أيضاً من إحلال العاطفة القومية محلّ العواطف الأخرى في تكوين الإنسان العربي أو المسلم. إننا نطالب بوجود تكتل واعٍ للدفاع عن العروبة والإسلام في ظل هذه الأجواء المضطربة والأحوال السيئة التي يتّسم بها طقس عالمنا المعاصر.

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط