.
.
.
.

ماذا لو فاز «ترامب»؟!

حلمي النمنم

نشر في: آخر تحديث:

أدان البيت الأبيض تصريحات «دونالد ترامب» بخصوص المسلمين فى الولايات المتحدة، وحدث امتعاض من تلك التصريحات داخل الولايات المتحدة وخارجها، لكن يبقى التساؤل قائماً.. ماذا لو نجح «ترامب» فى أن يصبح مرشح الحزب الجمهورى للرئاسة، ثم ماذا لو فاز فى الانتخابات ودخل البيت الأبيض..؟
نحن أمام احتمال قائم، ولا يجب استبعاده بالمرة.. الرجل لديه ثروة طائلة تمكنه من الإنفاق على العملية الانتخابية، والمال السياسى يفعل الأفاعيل، فى الولايات المتحدة كما فى غيرها، باختصار لن يكون ترامب بإزاء مشكلة مالية ولن يجلس ينتظر من يمول حملته الانتخابية.

وبما أن الرجل ناجح فى تأسيس وإدارة الشركات، فهو يفهم السوق وآلياتها جيداً، ويعرف دخائل هذا العالم، والانتخابات ليست سوى ميدان من ميادين السوق، لكنها السوق السياسية، ومزاج الناخب فى العالم كله يقوم- غالباً - على خلق الانطباع وليس بناء أو تكوين اقتناع؛ الانطباع يمكن التلاعب به وتغييره فى موقف أو لحظة، يكفى أن يقوم أحد «الذئاب المنفردة» من الدواعش بعملية داخل الولايات المتحدة عشية الانتخابات، على غرار عملية كاليفورنيا، ويكفى أن يقوم التنظيم نفسه بجريمة من جرائمه على نحو ما جرى فى باريس، أو أن يقوم بعملية بشعة تجاه مواطنين أمريكيين فى أى مكان من العالم، كما جرى فى الصومال زمن الرئيس الديمقراطى بيل كلينتون، حينها يتكون الانطباع المطلوب أن رجلاً مثل «ترامب» قد يكون هو رجل اللحظة وهو الأقدر على حماية الأمريكيين داخل بلادهم وخارجها.

ذكر «توماس فريدمان» فى مقال له أن ترامب هو الوجه الآخر لداعش، وهذا صحيح، ويمكن لداعش أن تسعى إلى عمليه عاجلة بأى شكل لتهيئة المناخ لترامب، تأسيساً على أن سياسة ترامب قد يوفر لها المناخ الذى تتمناه، وهو مناخ الاستقطاب العدائى بين المسلمين عموماً وبلاد الغرب، ليزداد غزوهم لذلك الغرب من داخله بتجنيد المزيد من أبنائه وبناته، وتأسيس المزيد من خلاياهم هناك.

الشعب والناخب الأمريكى، مثل أى مواطن فى العالم، يحب أن يكون رئيسه قوياً ومقداماً، وربما لم يحقق لهم الرئيس أوباما تلك الرغبة، هو تصرف فى كثير من المواقف وكأنه حكيم يقبع خارج هذا العالم، لا يأبه كثيراً بما يجرى فيه ولا بمشاكله الحادة، فابتلعت داعش ثلث سوريا والعراق وامتد خطرها إلى داخل الولايات المتحدة وعدد من البلدان الأوروبية، وهذا الحال قد يدفع الناخب الأمريكى إلى اختيار من يتصور أنه النقيض له والقادر على التصدى لإرهابه.

فى الديمقراطية يمكن أن تحدث أقسى المفاجآت، والضغوط الإنسانية والوطنية، يمكن أن تدفع الناخب من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين دون المرور بالوسط، أمامنا نموذج السيدة لوبان فى فرنسا الأسبوع الماضى، وبعد أن وقعت الواقعة راح الجميع يتساءلون كيف حدث هذا فى فرنسا؟! وتباينت الإجابات، وانتهى معظمها إلى تعليق النتيجة فى رقبة جريمة باريس الإرهابية، وذهب البعض إلى اتهام الإعلام بأنه ركز على المخاوف من الإرهابيين فى فرنسا، مما دفع الناس إلى الانحياز إلى السيدة لوبان وحزبها اليمينى المتشدد.

وننسى- لعلنا نتناسى - جميعاً أن «أدولف هتلر» صعد إلى السلطة فى ألمانيا، مطلع الثلاثينيات من القرن الماضى فى انتخابات ديمقراطية تماماً، وبلا أى تزوير، وكانت شعبيته ساحقة وكانت المحصلة النهائية أنه قاد العالم كله إلى حرب ضارية، راح ضحيتها، طبقاً لأقل التقديرات حوالى 35 مليون قتيل حول العالم، وهناك من وصل بالرقم إلى 65 مليونا، ودمر ألمانيا تماماً، فضلاً عما أدت إليه الحرب من تدمير لندن وباريس وعدد من المدن الروسية وغيرها من المدن حول العالم، أصبنا نحن فى مصر بكثير من البلاء فى العلمين والإسكندرية من جراء هتلر وحروبه.

فوز ترامب احتمال قائم، قد يكون ضعيفاً للغاية، وقد يكبر ويعظم هذا الاحتمال ويصبح واقعاً، ما زال الرجل يجرى لقاءاته وله جماهير تنتظره؛ وعلينا أن نفكر من الآن ماذا لو وصل ترامب إلى البيت الأبيض.. كيف ستكون سياسته معنا..؟ أقصد معنا «مصر» ومع المنطقة كلها وقضاياها..؟!

بأفكاره تلك هل سيبقى على ثنائية أوباما عن الإسلام المعتدل، وتمثله من وجهة نظره جماعة الإخوان «الإرهابية» والإسلام العنيف كما تمثله داعش ويحاول أن يلزمنا بالانحياز والانصياع إلى من يعدهم معتدلين؟!! وهل رؤيته فى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، تعنى أنه يرى المسلمين جميعاً إرهابيين مؤكدين أو محتملين..؟ سلوك الرجل الاقتصادى يقول غير ذلك، له استثمارات كبيرة فى عدد من دول الخليج، أم أنه يتعامل وفق قاعدة أنه لا دين فى البيزنس؟!!، وهل تعاملاته تلك فى البيزنس سوف تمتد إلى السياسة؟

التساؤل الأكبر أنه بأفكاره تلك كيف يرى الوضع فى فلسطين المحتلة، صحيح أنه لا يوجد فارق كبير تجاه فلسطين فى سياسات رؤساء الولايات المتحدة، الرئيس أوباما تعهد فور دخوله البيت الأبيض بإقامة دولتين فى فلسطين، أى دولة فلسطينية إلى جوار إسرائيل، خلال مدته الرئاسية الأولى، وها هو يوشك أن ينهى فترته الرئاسية الثانية دون أن ينجز شيئاً من هذا الوعد، بل إن الأوضاع فى فلسطين تزداد سوءاً؛ فماذا عن ترامب وآرائه العنصرية، هل سينحاز تماماً إلى الأفكار الليكودية التى تسعى إلى جعل إسرائيل دولة لليهود فقط، ومن ثم طرد العرب منها.. وهل وهل..؟!

فى السياسة وفى الانتخابات الديمقراطية كل الاحتمالات قائمة، وفوز «ترامب» احتمال قائم وعلينا أن نستعد له.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.