التجديد والعودة إلى المنابع

محمد حبيب
محمد حبيب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

المطر هو الماء الصافى الذى يتنزّل علينا من سحائب الغيم.. وكلما كانت القمم والتلال الساقط عليها المطر نظيفة وخالية من أى شوائب، كان الماء المتجمّع فى الأحواض والمنخفضات المنتشرة هنا وهناك محتفظاً بنقائه وصفائه.. وعندما يجرى الماء عبر الجداول والأودية الصغيرة، التى تصب فى الوادى الرئيسى، يكون الأخير قد حمل معه بعض الشوائب، من فتات ورمال وأتربة.. ومع طول الرحلة يكون ماء المطر الصافى قد تغير أو تعكر أو شابه كدر.. هكذا كانت النبوة والرسالة، والجيل الذى تربى على يديها، وهكذا كانت الأجيال التى جاءت من بعد على مر العصور..

إن الدين هو العلم، أما التدين فهو العمل، وليس شرطاً أن يكون العمل متطابقاً مع العلم، بل قد يكون العمل أحياناً بعيداً -كثيراً أو قليلاً- عن العلم.. العلم هو القيم المنزّلة من قبَل الحق جل وعلا على رسوله الأمين.. ومن المنطقى أن يكون الرسول هو أقرب البشر على الإطلاق فى فهمه وتطبيقه لهذا العلم المنزل الذى يمثل النبع الصافى.. ومن المنطقى أيضاً أننا كلما ابتعدنا عن عصر النبوة، ابتعدنا -ولو بقدر ضئيل- عن الفهم الصحيح، وبالتالى التطبيق السليم.

فى كتابه «الفكر المقاصدى وقضايانا السياسية المعاصرة»، يقول «الريسونى»: «وما زلت أحفظ الوصية التى نقلها الإمام الشاطبى عن أحد شيوخه، حين أوصاه باجتناب التعويل على كتب المتأخرين، وقال: إنهم أفسدوا الفقه».. ثم يستطرد، فيقول: «وليس هذا راجعاً إلى أفضلية زمن على زمن، ولا أفضلية ناس على ناس، ولا لأن القدرة العلمية والفكرية للمتقدمين، هى أعلى وأرقى منها عند المتأخرين، لا ليس هذا. وإنما لأن المتقدمين أقرب إلى الفطرة، وأتبع لها، وأيضاً لأنهم حازوا (النسخة الأصلية) للدين والتديُّن، علماً وعملاً، ثم حازوا على التوالى (النسخ الأكثر قرباً والأشد شبهاً بالنسخة الأصلية).. بينما ظل كثير من اللاحقين -إلى اليوم- ينسخ بعضهم عن نسخة بعض.. ومن حين إلى آخر، يقع -أو يمكن أن يقع- شىء من الخدش أو الخلل فى عملية الاستنساخ والتلقى.. ولذلك يجب الرجوع دائماً إلى الوراء؛ إلى نسخة المتقدمين للأخذ عنها، أو المقابلة عليها والتصحيح منها». وهذا بالطبع خاص بالأمور والأصول الدينية، وبالخصائص الجوهرية والخصال الفطرية للإنسان، وليس فى القضايا الدنيوية والتجارب البشرية التى تتميز بالتغيُّر والتطوُّر.. ولا شك أن المعيار الذى يميز الخصال الفطرية للإنسان عن غيرها من الخصال الطارئة عليه، هو ما يشترك عامة الناس فى حبه وكراهيته، بصورة طبيعية تلقائية؛ فالناس جميعاً يحبون الاستقامة والصراحة، ويكرهون الالتواء والغموض، يحبون الإنسان الصريح الصادق، ويكرهون الإنسان المراوغ الكذوب، كما يحبون النبل والمروءة والشهامة، ويكرهون اللؤم والخسة والندالة، وهكذا. التجديد -إذاً- هو العودة إلى المنابع الصافية الأولى.. إلى الدين فى بساطته ويسره، بعيداً عن التعقيدات والتفصيلات التى ناءت بنا عن أصل الدين وجوهره.. كأنك تنقيه مما علق به من شوائب ليعود جديداً، نقياً، صافياً.. هذا هو معنى التجديد.. فى كتابه «هموم داعية»، يقول شيخنا الغزالى: «بعد مسيرة طويلة للإنسانية، أنظر إلى نفسى ومن حولى فأجد الشبه قريباً بين أعداء محمد، صلى الله عليه وسلم، فى الأولين وأعدائه فى الآخرين؛ على حين أجد الشبه بعيداً بين أتباع محمد، صلى الله عليه وسلم، فى الأولين وأتباعه فى الآخرين. إن صحابة محمد، صلى الله عليه وسلم، عندما قدموا كلمة التوحيد للناس، قدموها على أنها فكاك لأعناقهم من ضروب الوثنيات الدينية والاجتماعية والسياسية، فلا مكان فى ظل الإسلام لفرعونية حاكمة، ولا قارونية كانزة، ولا كهنوتية موجّهة، ولا جماهير ذلول الظهر لكل راكب أو مستغل. ومن خلال تعاليم الكتاب والسنة أدرك الناس دون تكلف ولا تقعر أن الحريات موطدة وأن الحقوق مصونة وأن العقل ينبغى أن يفكر دون قيد، وأن أشواق الفطرة تلبى دون حرج، وأن الدولة فى الإسلام مع المظلوم حتى ينتصف، وعلى الظالم حتى يعتدل».. ثم يستطرد قائلاً: «هذه هى الدنيا كما فهمناها من ديننا، بيد أن العالم الإسلامى لا يعرف هذه المعالم فى دنياه، وقد يسمع عن شىء منها فى العالم الذى لا يعرف الإسلام.. ومما يثير الدهشة أن أناساً من المتحدثين فى الإسلام لا يعرفون عن هذه المعالم شيئاً يُذكر، وعندما يتكلمون فى الدعوة الإسلامية لا يعرجون من قريب ولا بعيد على هذه المعالم»..

أقول مجدداً إن التجديد هو العودة إلى المنابع الصافية التى عبّر عنها النبى، صلى الله عليه وسلم، فى قوله: «إنما أنا رحمة مهداة»، وفى قوله: «الراحمون يرحمهم الرحمن، فارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء»، وفى قوله: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفروا»، وفى قوله: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. وفى إجابته عن كل من سأله أثناء حجة الوداع: «افعل ولا حرج»، وفى قوله: «أنتم أعلم بشئون دنياكم»، وفى قوله: «ادرأوا الحدود بالشبهات».. التجديد هو العودة إلى المنابع، حيث تكون الدعوة كما أمر ربنا جل وعلا «بالحكمة والموعظة الحسنة»، وكما أوصانا سبحانه «وقولوا للناس حسناً»، وكما بين لنا «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتى هى أحسن».. التجديد هو العودة إلى المنابع التى تؤكد أن استخدام السلاح مقتصر على مؤسسات الدولة، ولا يحق لأى جماعة أو تنظيم استخدامه وإلا كان ذلك خراباً ودماراً، لذا لم يؤذن للمسلمين بحمل سلاح إلا بعد أن صار لهم دولة وجيش فى المدينة، ولم يؤذن لهم بقتال إلا من قاتلهم واعتدى على حرماتهم «وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين».. وأن الجهاد فى الإسلام لم يكن جهاد طلب، وإنما جهاد دفاع عن الأرض والعرض والحرمات والمقدسات، وأن علة الكفر لم تكن سبباً للقتال.. التجديد هو العودة إلى المنابع التى تعطى أولوية كبرى لإقامة العدل بغض النظر عن الدين أو المذهب أو الجنس أو العرق «ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى»، أو صلة القربى «وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى»، وأن الحاكم والمحكوم أمام القانون سواء، وأن أخذ الناس بالشبهات أو الاعتداء على إنسانيتهم وآدميتهم أمر ينكره الإسلام.. التجديد هو العودة إلى المنابع التى تؤكد أن الإسلام ليس دين كهنة ولا كهنوت، ولا يوجد فيه من يسمون رجال دين، وأنه لا قداسة لأحد، وأن أى إنسان يؤخذ منه ويرد إلا المعصوم، عليه الصلاة والسلام، وأن حرية العقيدة مكفولة لأى إنسان، حيث «لا إكراه فى الدين»، وأن دستور المدينة جعل من التعايش بين إخوة الوطن قيمة كبرى يجب صيانتها والذود عنها والمحافظة عليها..
نقلاً عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط