انتقام أردوغان
ينطلق حزب «العدالة والتنمية» في سياساته من عوامل عدة، أهمها «الحتمية» الجغرافية والتاريخية مثل أي نظام آخر، ويضيف إليها المشيئة الميتافيزقية. ويراوح بين علمانية فرضتها إرادة قوى عظمى خلال حرب عالمية فككت السلطنة العثمانية ومحاولة تجديد الخلافة. بين التوجه شرقاً ومحاولة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. بين انفتاح اقتصادي على روسيا ومعاداتها سياسياً. تماماً مثلما هي حاله مع إيران. الثابت الوحيد في توجهاته أنه عسكري الحلف الأطلسي. ويطمح إلى تجديد العثمانية وتطعيمها بالديموقراطية الغربية، آخذاً في الاعتبار أن البلاد التي يحكمها خليط فسيفسائي من الترك والأكراد والسريان والأشوريين والعلويين والعرب وبقايا الأرمن. ولم يجمع هذه المكونات سوى النظام العلماني الذي أرساه أتاتورك لدى تأسيس الجمهورية عام 1923، وانكفائه إلى الداخل، بعد ضم ما سمح به الغرب من أراض وولايات، منها أنطاكيا والإسكندرون وجنوب الأناضول.
منذ تلك الأيام رضيت تركيا بما أنجزه أتاتورك، مكتفية بدور الحارس الغربي عند الحدود الروسية خلال الحرب الباردة، وبمحاصرة أي تحرك عربي، بالتعاون مع إسرائيل وإيران الشاه وإثيوبيا هيلاسيلاسي، وكانت بين الفترة والأخرى تعود إلى أحلامها القديمة، من دون أن تقدم على تحقيقها، إلى أن تسلم حزب «العدالة والتنمية» الحكم فبدأ يجدد العثمانية تنظيراً وممارسة. وأغراه السعي الأميركي إلى تغيير أنظمة الحكم في المشرق بالفوضى الخلاقة، فوجدها فرصة لاستعادة «الأمجاد»، من خلال المشاركة في تأجيج هذه الفوضى، خصوصاً في العراق وسورية، مستعيداً حلمه بولايتي الموصل وحلب، ومستغلاً الحروب الداخلية في البلدين لتكريس نفوذ جماعاته من «الإخوان» والتركمان وغيرهم، بالتعاون مع الغرب الذي وجد لأنقرة وظيفة جديدة في مواجهة النفوذ الروسي المتصاعد في المشرق، وتكريسها نموذجاً إسلامياً للديموقراطية.
منذ وصوله إلى الحكم اعتبر الرئيس أردوغان هذه الوظيفة ورقة رابحة، بدأ يستخدمها في مواجهة الخصوم في الداخل والخارج، وحتى في مواجهة من أسند إليه هذه الوظيفة. ولم يعد سراً أنه فتح حدود بلاده أمام آلاف المرتزقة والإرهابيين للتوجه إلى سورية «لمساعدة الشعب»، وإسقاط النظام والمشاركة في تنصيب نظام آخر موال، وتكريس تركيا دولة إقليمية عظمى في مواجهة إيران الساعية إلى ذلك أيضاً. ولنتذكر أنه رفض في البداية الانضمام إلى التحالف الدولي الذي تقوده أميركا ضد «داعش»، وأبقى الحدود مفتوحة أمام كل من يريد «الجهاد». وبعد الدخول الروسي الذي وضع حداً لمخططه عمد إلى فتح الحدود أمام آلاف اللاجئين الذين تدفقوا إلى القارة القديمة، حاملين معهم مآسيهم و»إرهابهم»، وكل ما ابتلوا به في بلدانهم، ما أجبر دول الاتحاد على الرضوخ لابتزازه لإغلاق الباب أمام سيل بشري أيقظ الأحزاب القومية العنصرية المتطرفة فوافق الاتحاد الأوروبي على العودة إلى مفاوضات انضمام تركيا إلى جنته.
استخدم أردوغان ورقة دعم الإرهابيين في سورية والعراق، وورقة اللاجئين، فضلاً عن كونه عسكري الأطلسي للعودة إلى التفاوض. لكن الطريف أن وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو قال لنظرائه الأوروبيين خلال الجلسة الأولى في بروكسيل أن لا علاقة لكل ذلك بوجوده بينهم، مؤكداً أنها «مشيئة الله اختارت هذا التوقيت».
ليس مستغرباً أن تتقدم المفاوضات بين أنقرة وبروكسيل فأوروبا الآن في حاجة إلى أردوغان أكثر من أي وقت مضى، وليس في إمكانها مواجهته بقضية الحريات وحقوق الإنسان والعدالة، على رغم كل الانتهاكات وسجن الصحافيين واغتيال المعارضين والهجمات الدامية على الأكراد في الأناضول وسورية وشمال العراق.
أردوغان يمد يد الصداقة إلى أوروبا متجاوزاً العداء التاريخي معها، وينتقم من الشعوب التي ثارت في وجه السلاطين العثمانيين، فدولها ضعيفة تمر في مرحلة إعادة تأهيل، في إطار النموذج الديموقراطي الإسلامي.
* نقلاً عن "الحياة"