.
.
.
.

مهلاً أيها الشتامون

ناجح ابراهيم

نشر في: آخر تحديث:

أسوأ ما أفرزته ثورتا 25 يناير و30 يونيو بروز طبقة من الشتامين الذين لا يستطيعون لجم ألسنتهم عن سب الآخرين والطعن فى دينهم أو وطنيتهم.. ولا يحسنون حبس ألسنتهم عن التفحش واللعن والسب.. حتى إذا لم يجد أحدهم من يسبه أو يشتمه شتم نفسه.

■ وقد كنت أعجب قديماً لنموذج الشاعر الشهير «الحطيئة» الذى هجا وسب وشتم كل من يعرفه.. ولم يترك أحداً إلا سبه حتى لو كان مقرباً منه فى فترة من الفترات حتى إذا ضاقت دنيا السب والشتم والطعن بما رحبت هجا نفسه.

■ وقد تعجبت لهذا النموذج، وكنت أظن أنه حالة فريدة أو نموذج شاذ، حتى رأيت فى واقعنا من هو أشد خطراً وأنكى لساناً من الحطيئة.. وأزعم أننى لم أفهم نموذج الحطيئة ونفسه الشريرة التى أطلقت لسانه دوماً بالسب والهجاء دون نظم بيت واحد يمدح فيه الآخرين أو يرى خيراً فى أى إنسان.

■ وقد كان الخليفة العادل عمر بن الخطاب عظيماً حينما اشترى منه أعراض الناس بمبلغ كبير.. فقد هدده من قبل بقطع لسانه ولكنه أدرك أن ذلك لن يحل المشكلة التى هى أكبر من لسانه وتتجاوز هذه العضلة الصغيرة فى فمه لتصل إلى أصل الداء فى قلبه المريض ونفسه الكارهة لخلق الله.. فمن أحب الله أحب خلقه.. ومن شكر الله شكر خلقه.. ومن أبغض خلق الله أبغضه الله.. وكل إنسان يرى الله والناس بما يحمله من بياض أو سواد أو خير أو شر أو صلاح أو فساد.

■ وقد استضافت إحدى القنوات أحد «أحفاد الحطيئة النابهين» فأخذ يسب ويشتم بغير حق ودون علم وبجهالة أحد القامات العلمية المصرية الشامخة وهو أ.د. كمال أبوالمجد الذى أحب أن ألقبه بـ«جامع الحضارتين » لأنه من وجهة نظرى من القلائل الذين جمعوا فى صدورهم وعقولهم العطاء الحضارى العظيم للإسلام ومزجه مزجاً جميلاً ورائعاً بكل إبداعات الحضارة الغربية.. ومزجهما بخلطة سحرية عجيبة لا تتأتى إلا لأمثاله وأقرانه وقليل ما هم.

■ ورغم علمه وفضله ومكانته فإنه غاية فى التواضع والكرم وهو «ألف أليف» يألف الناس ويألفونه ويحب الناس ويحبونه.. وقد عرفته عن قرب فوجدت فيه عقل العلماء العظام وقلب الأطفال الأبرياء، الذى لا يعرف الدخن ولا المكر ولا يحقد على أحد أو يسىء حتى لمن أساء إليه.

■ ومن أجمل كلماته التى حفظتها عنه «خلق النبى محمد (ص) كان سلاحاً قوياً فى الدعوة إلى الله وهو أمضى من كل أسلحة الدنيا».. وأرى أنه لو فقه المسلمون عامة وأرباب الإسلام السياسى خاصة هذا المعنى وطبقوه لكفاهم ما هم فيه من العنت والعياء والبلاء.

■ وقد تعلمت منه أن الداعية والمفكر لن يستطيع أن يحيا سوياً بين جدران تنظيم أو حزب أو هيكل إدارى بيروقراطى يحبس فكره ويحول بينه وبين انطلاق عقله أو يؤمم فكره أو يقصره لصالح فصيل صغير.. أو يحوله من داعية إلى الله إلى داعية للتنظيم والحزب أو الفصيل.

■ ومن أجمل ما تلقيته عنه «أن الداعية الذى لا يحسن الابتسام عليه أن يبحث عن مهنة أخرى».. ومما أعجبنى إبداعاته قوله «إن الذى يبدأ تدينه بالعزلة عن الناس يتعلم كراهية الناس والحياة.. ثم يقيم مع أقرانه حرباً باردة فى نفسه للآخرين وخاصة مخالفيه.. فيحاكمهم ويقسو عليهم وقد يكفر أو يفسق أو يخون من يخالفه الرأى أو الموقف السياسى».

■ ومما تعلمته منه أن على الداعية أن يراعى حاجات وأحوال وواقع من يخاطبهم.. وهو ما يسمى عند الفقهاء بـ«تفريد الفتوى» أى ضرورة استجابة الفتوى وتفاعلها مع حال السائل.

■ وكل هذا وغيره من العلوم ليس غريباً على د. كمال أبوالمجد الذى نشأ فى أسرة علمية إسلامية وفقهية وقانونية عريقة.

■ فقد كان والده رئيساً للمحكمة الشرعية وخاله هو أعظم المفتين فى تاريخ مصر «الشيخ حسنين مخلوف».. وجده لأمه كان شيخاً للجامع الأحمدى بطنطا وهو المنصب العلمى الذى كان يلى شيخ الأزهر قديماً.. وقد تلقى العلم عن هؤلاء جميعاً وهو خريج جامعة هارفارد أعظم الجامعات الأمريكية قاطبة.

■ وهو أعظم فقيه دستورى فى الوطن العربى وهو الذى صاغ دساتير عدة دول واستعان به مهاتير محمد لوضع الأسس الدستورية والقانونية لنهضة ماليزيا الحديثة.. وقد ذهب إلى معظم بلاد العالم كأعظم عبقرية دستورية مصرية.

■ والغريب فى الأمر أن خصوم الإخوان يشتمونه تارة على أنه إخوانى.. وخصوم مبارك يشتمونه باعتباره من الفلول.. والرجل أكبر من أن يكون تابعاً لأحد فهو خادم لدينه ووطنه لا يرجو من ذلك شيئاً سوى مرضاة ربه ورفعة وطنه.. ويؤسفنى أن هذا حال معظم العلماء الكبار فى مصر حيث يشتمون من هؤلاء وهؤلاء.. والأغرب أن هؤلاء العلماء الأفذاذ قد قلاهم وطنهم وتسلط عليهم سماسرة الشيطان الذين لا علم لهم ولا فقه ولا نفع.. فواحزنا على علماء مصر الذين يكفرهم البعض أو يخونهم الآخرون.. فلا كرامة لنبى فى وطنه.. ولا كرامة للعلماء بين السفهاء.
نقلاً عن المصري اليوم

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.