.
.
.
.

الرسالة السعودية للداخل والخارج

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

فرضت السعودية مطلع العام الميلادي الجديد، شجاعة لا تنقصها حين نفذت حكم القصاص في ٤٧ إرهابياً ومحرضاً كانوا رؤوساً متباينة للإجرام والفتنة والتخريب والإضرار بالعقول والأفراد، ومثلوا خطراً وتهديداً حقيقيين للجغرافيا الوطنية. وتجاوز هذا التهديد بتداعياته كافة ما من شأنه الإساءة إلى منظومة كاملة من الأمن والعلاقات السوية النقية والعيش الهادئ الهانئ. هذه الأحكام الطازجة حملت رسائل سعودية بالغة العمق للداخل والخارج، وفي هذه الرسائل ما هو مشترك، كاحمرار الخط المتماس مع وطن مستيقظ على الدوام، ورفض أي فئة باغية تحاول أن تلوي الذراع هنا أو هناك وترخي سمعها أو ترخص جسدها لمن لا يريد إلا الانشقاق والانقسام والتفتت والتفكيك، ومن خلال هذه الخطوات الأخيرة من العلاج لأسماء لم ترد بنا خيراً ولم ترسم إلا مزيداً من الدمار والدماء، قدمت الرياض رسالتها الصادقة والواضحة لكل المزايدين الذين يصطادون في الماء العكر ويقتاتون على الوهم والأوراق الجافة ويرمون الجمل الملغّمة والآراء المريضة عن التقاعس والتراخي في مواجهة الإرهاب، لتكون هذه الرسالة ذات رد حاسم وجازم مبني على مشاريع عمل جبارة ولسنين طويلة منذ بدء المعركة مع الإرهاب، وكانت هذه المشاريع مستنزفة للموارد المالية والبشرية وحاملة لمخاطر هائلة، لتنتهي دوماً بأفعال صريحة وضرب بيد من حديد لا اتكاءً على الأقوال والتنظير. مضت الرياض، وللحق، في تصد قوي لكل التهديدات والمحاولات البائسة لطعنها في الظهر وعلى أيدي أبنائها، أو من يصرخ بأنه أحد أبنائها فيما أفعاله مناقضة وفاضحة، قاومت أن يُستثمر هذا الطعن لتشويه سمعتها وقذفها بالتهم والحديث عنها على الدوام على أنها مهدِّد لا مهدَّد، وهي أكثر من جنت المرارات وحاولت أن تفصل بين المتداخلات وحصص التعبئة لمثلث الاضطراب «إرهاب- مجتمع مستلم- فكر ضال».

سيقتات البلهاء والمرضى والمأزومون وأعداء الماضي والحاضر والمستقبل على كثير من الهوامش، وينزعون الشجاعة السعودية بل سيسحبونها إلى مستنقعات هابطة من الطرح والشرح، سيستميتون في الطَرْق على فتنة المذهبية وخداع ومطاطية حرية الرأي، وكأن المشهد العام لم يمتلئ بالخيانات والتحريض والخسائر والتبعات الدموية والتبعية العمياء للخارج بغية تمزيق الداخل، الرياض، ولمرات متتالية، تشرح كيف أنها شاهقة الصبر مغلبة للصمت كل ما كان ذاك ممكناً ومتاحاً، لكنها لم ولن تكون عاجزة عن فعل الشيء الصحيح في التوقيت الصحيح، الإرهاب لا مسمى ثانياً له على الجنسيات والمذاهب كافة، والتطهير لكل من يرتديه واجب شرعي في المقام الأول قبل أن يكون حاجة ماسة لطمس ما تيسر من سواد الذاكرة وتطبيب الجراح التي عانت تصارع نسياناً لن يأتي بسهولة، من تم إعدامهم كانوا فعلاً رئيساً صريحاً مساهماً وفاعلاً في القتل والتفجير والإرهاب والتفكير واستباحة دم الأبرياء، ولنا من بعدهم متعة في أن نقرأ بسخرية الشريحة التي تعترض على ما صدر بحقهم من أحكام أو تفصّلهم على مقاسها ورغباتها، ومن ثم ترمي السلطة بما رخص من المفردات، هؤلاء بالضبط يتلذذون بالإرهاب ويجدونه المنطقة المناسبة للتخريب وإنجاح خططهم وتضخيم صورتهم حتى وإن كان تضخيماً من ورق، التعاطف مع الإرهاب، محلياً كان أم خارجياً، هو إرهاب من درجة مساوية في المقدار متباينة في الأثر والتأثر، وحتى الحياد أقرأه في هذه المساحة الباغية الخطرة انحيازاً ممقوتاً ومثيراً للاستفزاز والأسئلة، ومخيفاً على المدى القصير والبعيد. تنتهي اليوم مرحلة حرجة في مشوار السعودية مع الإرهاب، وهي تستلزم قدراً مضاعفاً وإضافياً من اليقظة والاستعداد والتنبه، كانت مرحلة محاطة بالجرأة ورسائل التحذير الواضحة لجماعات التطرف وفئات الضلال، وستثبت الأيام أن علاج الإرهاب لن يمضي إلى مربعات الاطمئنان والشفاء إلا بطرح الرؤوس أرضاً، وببساطة في منعطف السطر الأخير كل الـ٤٧ إرهابياً قَتَلوا فـ «قُتلوا»، باعوا دينهم ووطنهم والمكان الذي تربعوا على خيراته بثمن بخس، فكان من اللازم شرعاً وعقلاً أن تتم إراحة البلاد والعباد منهم.

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.