.
.
.
.

فجر عراقي جديد

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

بغداد استقبلت العام الجديد كما لم تستقبله في حياتها على الإطلاق، بل كما لم تستقبله أية مدينة أخرى. في الماضي لم أحيَ ليلة بغدادية كهذه، وعلى مدى ثلاثة عقود تنقّلت فيها بين بلدان مختلفة وشهدت إحتفالات الأعوام الجديدة في عواصم عدة، فلم يحصل أنني شهدت احتفالاً كالذي عشته هذه المرة في بغداد.

تميّز احتفاء البغادّة بالعام الجديد بأن الناس كلهم تقريباً تدفّقوا إلى الشوارع والساحات كسيول الفيضان (أمانة بغداد قدّرت عديد المحتفلين في الهواء الطلق بأربعة ملايين نسمة) .. في المدن الأخرى، وفي بغداد الماضي أيضاً، يجتمع معظم الناس عادة في الأماكن المغلقة للاحتفال بالعام الجديد: البيوت والمطاعم والبارات والنوادي، فيما تقتصر الاحتفالات الجماعية الكبيرة على أماكن محددة هي التي يجري فيها إطلاق الألعاب النارية.. هنا في بغداد صارت الشوارع والساحات كلها تقريباً ميداناً للرقص والغناء وللالعاب النارية.

ما معنى هذا كله؟
معناه أن فجراً عراقياً جديداً قد تبيّن خيطه الأبيض، وأن العراقيين الذين حُبِسوا عقوداً متصلة في قمقم الدكتاتورية، ثم وجدوا أنفسهم لنحو ثلاث عشرة سنة بعد ذلك وقد حُشِروا بين مطرقة الإرهاب وسندان التديين الإجباري، قد اكتشفوا في أنفسهم هذه المرة القدرة على فكّ القيود والإنطلاق إلى فضاء الحرية والحياة البهيجة التي حُرموا منها مديداً وانتظروها طويلاً.

هذا الإكتشاف الجمعي يعود الفضل فيه إلى جهتين إثنتين، الأولى حركة النشطاء المدنيين الذين بادروا بإطلاق موجة المظاهرات الإحتجاجية قبل خمسة أشهر وأداموها بإيثار وكفاءة حتى اليوم. هذه الحركة جرّأت مئات الآلاف من العراقيين على ممارسة واحد من حقوقهم الأساس التي ضمنها الدستور وألزم الدولة بكفالتها، هو حق التعبير عن الرأي بشتى الأشكال والوسائل. قبل موجة التظاهرات هذه التي نجحت في هزّ كيان الطبقة السياسية الحاكمة وبثّ مشاعر الهلع والاضطراب في نفوسها، كان العراقيون مسكونين بالخوف من عسف السلطة وقمعها لهم إذا ما تحركوا مطالبين بإصلاح النظام السياسي الفاشل ومكافحة الفساد الإداري والمالي المنفلت وتوفير الخدمات الأساس، ففي العام 2011 لم تتورع الحكومة عن الإفراط في استخدام القوة الغاشمة لقمع الحركة الاحتجاجية التي اندلعت آنئذ على نحو عفوي أيضاً.

ما اختلف هذه المرة أن رئيس الحكومة الحالية، حيدر العبادي، كان أعقل من أن يتصرف على طريقة سلفه حيال الحركة الاحتجاجية، وهو بهذا كان الجهة الثانية التي لا مناص من نسبة الفضل إليها في تشجيع البغادّة وسواهم من أهالي المدن الأخرى على التمتّع بحريتهم والإفصاح عن حبهم للحياة البهيجة في ليلة رأس السنة، وقبلها في ليلة الميلاد تضامناً من مواطنيهم المسيحيين.

ثمة رسالة مهمة أخرى تضمّنها الاحتفاء الحماسي للعراقيين بالعام الجديد .. الرسالة موجهة الى متشددي الأحزاب الإسلامية والهيئات الدينية، فحواها أن لا أمل ولا رجاء في مساعيهم للتعامل مع الدين كما لو كان خدمة عسكرية إجبارية تستدعي إرسال الانضباطية الى كل مكان، وحمل الناس على التديّن الإلزامي، وبخاصة المتشدد والمتعصب والمتطرف المناهض للفطرة الإنسانية والمتعارض مع النزوع إلى الحياة السلمية الرخيّة ... إنهم يستهلكون طاقات ويستنزفون ثروات في ما لا جدوى منه ولا طائل فيه.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.