.
.
.
.

هل ينجح الغنوشي في تجديد حركة النهضة والمحافظة على وحدتها؟

منذر بالضيافي

نشر في: آخر تحديث:

انطلقت الأحد، 3 يناير 2016، المؤتمرات المحلية للمؤتمر العاشر لحركة "النهضة" التونسية، الذي من المتوقع أن ينعقد خلال نهاية مارس القادم، مثلما أعلن عن ذلك "مجلس شورى" الحركة، في دورته الأخيرة، لينهي بذلك جدلا داخل وخارج الحركة، حول تأجيل موعد المؤتمر، وسط حديث عن وجود نية لترحيل المؤتمر، إلى أجل غير مسمى، من أجل تجاوز حدة الخلافات، التي يرى البعض أنها تهدد وحدة الحركة وبالتالي تماسكها التنظيمي، الذي استمر برغم الهزات و"المحن"، وفق تعبير النهضويين.

إلى جانب البعد الانتخابي، لإفراز نواب المؤتمر القادم، فاإن المؤتمرات المحلية ستكون مناسبة لقياس درجة تفاعل "القاعدة" مع خيارات وسياسات القيادة المركزية، خصوصا عند مناقشة ورقة تأليفية ستتعرض لأهم القضايا المفترض أن تتم مناقشتها، داخل المؤتمر العاشر، تتعلق بقضايا أساسية كتقييم مسيرة الحركة (التي رحلت من المؤتمر التاسع –يوليو 2012)، والعلاقة بين الديني والسياسي، وهنا سيتم الحسم في مصير وثيقة "الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي" التي تعود لثمانينات القرن الفارط، وهي أصبحت منذ سنوات في حكم "الوثيقة المهجورة"، خصوصا بعد مصادقة الحركة على دستور يناير 2014.

مع انطلاق المؤتمرات المحلية يبدأ العد التنازلي، لمؤتمر سيكون الأهم لا في تاريخ "النهضة" فقط، بل البلاد ككل، بعد تحول التهضة إلى شريك رئيسي في الحكم، وأحد ضمانات الاستقرار السياسي الحالي، الذي ما يزال استقرارا هشا ولا يحتمل اختلال التوازن في الخارطة الحزبية والمجتمعية. كما تكمن أهمية المؤتمر، أيضا في علاقته بمستقبل استمرارية وتطور حركات "الإسلام السياسي"، التي تعرف منعطفا هاما بعد "زلزال" ما أصبح يعرف بـ "الربيع العربي"، الذي شهد وصول الإسلاميين لأول مرة في تاريخهم للحكم عبر انتخابات ديمقراطية، كما شهد أيضا انتكاسة سريعة لفترة حكمهم، تباينت بين عودة الصدام والعنف مع السلطة القائمة، في مشهد أعاد إنتاج وضع ما قبل الثورة، على غرار ما حصل ويحصل في مصر، وبين خيار آخر تمثل في القبول بالاندماج في الساحة السياسية، وفي المشاركة في الحكم، وهو مثال "النهضة" في تونس.

من هنا، سيكون مؤتمر مارس القادم، فرصة لاختبار الخطاب السياسي لحركة "النهضة"، وأنه لم يكن نتيجة إكراهات تغير التوازنات السياسية، بل إنه مقدمة في مسار طويل يروم إجراء مراجعات جذرية في أدبياتها الفكرية، بما يجعلها تتحول إلى حزب مدني وطني، وهذا لا يكون إلا عبر الفصل بين المقدس والمدنس، الفصل بين الديني والسياسي، دون أن يعني ذلك التنازل المطلق على المرجعية أو الهوية المحافظة، مثلما حصل مع تجربة "المسيحية الديمقراطية" في أوروبا التي تبقى حلما بعيد المنال في عالمنا العربي والإسلامي نظرا لعدم توفرها شروطها، مع ذلك فإن التغيير يبقى في حاجة الى تراكم ولابد من البداية. وهنا –وفي مرحلة أولى - يبقى المهم أن تكون الحركة في توافق تام مع التزاماتها الوطنية، ونعني هنا أساسا القبول بالاحتكام لمقتضيات الدستور الجديد، الذي تتفاخر الحركة بأنه أحد منجزات فترة إدارتها للبلاد، خلال مرحلة حكم الترويكا. والذي رأى فيه الشيخ راشد الغنوشي، أنه أنهى – أي الدستور – حالة الانقسام المجتمعي الذي ساد على أساس ثنائية الإسلامي/العلماني، وأنه يمثل اليوم سقفا يستظل به كل التونسيين. قول يبقى بحاجة للتحول الى سياسة في الأرض، لعل أبسطها الابتعاد عن التدخل في إدارة المساجد، عبر فرض أئمة بعينهم مثلا، مثلما حصل في قضية جامع اللخمي، دون أن يعني ذلك الاستقالة عن المشاركة في حوار وطني حول إدارة الشأن الديني، والابتعاد به عن التجاذبات السياسية.

كما سيكون مؤتمر مارس القادم، مناسبة لامتحان جدي لقدرة الحركة، على المحافظة على وحدتها التنظيمية التي تبدو مهددة، وذلك بالنظر الى أنها مدعوة الى الحسم في تحديد "هوية" الحركة، التي يتنازعها تياران، إضافة الى تواصل "سطوة" "التنظيم" الذي نراه قد تغول على حساب "الفكرة" ذاتها.
يتمسك التيار الأول بخطاب وأدبيات البدايات، وهو تيار أقرب الى النهج "الإخواني/السلفي" الذي يرى أنه لا يمكن التفريط في البعد "الدعوي"، باعتباره يمثل "رأس مال الحركة" وعنوان تجذرها، وبدونه تتحول الحركة الى مجرد حزب سياسي بلا سند شعبي وعمق جماهيري. كما يعيب هذا "التيار- السلفي" على قيادة الحركة، تماديها في نهج "البراغماتية السياسية" التي تتحول معها الحركة ومواقفها الى "إمعة"، وفق تعبيرهم، ويصل هذا التيار –السلفي - حد اتهام قيادة الحركة بالتحالف مع "جلاد الأمس"، وكذلك تفريطها في استحقاقات الثورة لصالح القبول بالتسويات السياسية. وهو ما جعل منه سهل "المغازلة" من قبل "الحراك" الذي يقدم نفسه ضمن خطاب "احتجاجي" و"ثوري" يذكرهم ب "طهورية" خطاب "الاتجاه الإسلامي".
ولعل هذا ما يفسر حصول "تمرد" على "تعليمات" الحركة في الدورة الأولى خاصة، من رئاسيات 2014، من خلال الاصطفاف وراء المرشح الرئاسي المنصف المرزوقي، في مخالفة صريحة لموقف القيادة في مونبليزير.

في المقابل، يتصف التيار الثاني بأنه المحسوب على "البراغماتية السياسية"، ويقوده رئيس الحركة ومؤسسها ومرشدها الروحي والتاريخي راشد الغنوشي، الذي جعلته إكراهات الواقع، وطنيا وإقليميا ودوليا كمن يمشي بين الألغام، ومع ذلك فإنه ما زال لم يقطع نهائيا، لا تنظيميا ولا ابستيمولوجيا مع "فكرة" و"حلم" المنطلقات، ومع "الثقافة الرسالية" المتشبع بها حد الامتلاء، لكن على قاعدة "الاحتفاظ والتجاوز"، وهي قاعدة مهمة ميزت بل حكمت تحولات الحركات الإسلامية التونسية، من الجماعة الإسلامية في سبعينات القرن الماضي الى النهضة اليوم. ولعل هذا ما يفسر استمرار محافظته على سلطته المعنوية والأخلاقية، لدى أبناء الحركة بمختلف أجيالهم. ما جعلنا لا نكاد نعثر على خطابات للتشكيك أو التخوين، في ولاء الرجل للفكرة التي آمن بها، وسخر لها حياته منذ سبعينات القرن الماضي، حتى بعد إقدامه على اتخاذ قرارات في طعم "العلقم" مثل التنازل عن الحكم والتحالف مع أحد رموز المرحلة البورقيبية (قائد السبسي) الذي قال عنه يوما إنه من أرشيف العهد البائد وحتى عهد البايات.

لكن، استمرار "الفكرة" حية في صدور الرجال، يفترض الانحناء للعواصف. كما أن التغيير يفترض أدبيات جديدة وفق منهج "فقه الواقع". فهل ينجح الغنوشي في عبور امتحان "المؤتمر العاشر بسلام"؟ وهل أن الحركة قادمة على تغييرات في السياسات والتصورات –النهج الفكري والأوصولي – يمكن أن تهدد "وحدة الصف"؟ أم أن الغنوشي ورفاقه سينجحون في بداية التأسيس لـ "إسلامية ديمقراطية"؟

يدرك راشد الغنوشي، واقع الحركة التي هو مرشدها منذ تأسيسها، وأنها أصبحت تعاني من وجود نقاط ضعف هيكلية كثيرة، من أبرزها تهرم القيادة والأنصار على حد السواء، عدم تفاعل الشباب بكيفية كبيرة مع أطروحاتها، عجزها عن الوصول الى اإقناع القطاع المحافظ من المجتمع، الذي يصل لحوالي 60 بالمائة من التونسيين بتصوراتها، وبالتالي العجز عن تحويل هذا الرصيد إلى احتياطي انتخابي لفائدتها، إضافة الى وجود قطيعة مع النخبة الفكرية والإعلامية والفنية، برزت تحديدا خلال زمن حكمها، دون أن ننسى توفرها على خطاب مخاتل يهدد مكاسب المجتمع، خاصة في ما يتعلق بالنمط المجتمعي. كل ما تقدم يكشف عن وجود جهل بما يجري في رحم المجتمع التونسي من تحولات، حتى إنها – الحركة والغنوشي نفسه - تعاملت مع تصاعد التيار السلفي، كما لو أنه يعبر عن صحوة إسلامية، في حين أنه يحمل مشروعا دمويا ونشرا للتوحش... كل هذه النقاط والهنات وغيرها تعيق تطور الإسلامية التونسية، وتحولها إلى أنموذج يصالح بين الإسلام والديمقراطية، ما يفترض إعادة تجديد الفكر والخطاب.

كما يدرك الغنوشي أيضا أهمية رهانات المؤتمر العاشر، وقد استحضرها الرجل بصفة مكثفة وشاملة بأبعادها المتعددة الفكرية والمحلية والعالمية. ففي كلمة له توجه بها لقيادات الصف الأول للحركة (أعضاء الشورى والمكتب التنفيذي – "الفجر"، أنظر العدد 1 يناير 2016)، قال فيها رئيس "النهضة" راشد الغنوشي، "إن إنجاز مؤتمر سياسي للحزب هو حدث استثنائي، والمؤتمر العاشر هو تتويج لمرحلة وطنية هامة في تاريخ البلاد وتاريخ الحركة". وأضاف "أن انتظارات كبيرة معقودة على مخرجات ونتائج هذا المؤتمر محليا ودوليا للمكانة الهامة التي تحظى بها حركة النهضة لدي مختلف الأطراف".

كما أكد الغنوشي على أن "حركة النهضة لم تتعاف من مخلفات الاستبداد وما تركه من حاجات في نفوس المناضلين وعلى الحركة"، مشيرا الى "ارتفاع معدل أعمار المنتمين للحركة (هرمت) ونشأة جيل كامل من التونسيين لا يعلم عن الحركة إلا روايات الخصوم". ودعا الى أن يناقش المؤتمر القادم "تفتح الحركة على المستقبل وأن تتأهل لخدمة البلاد والانكباب على اقتراح الحلول لهموم التونسيين". على أن الرسالة المفتاح تمثلت في مطالبته بضرورة "إعطاء عناية خاصة للتجديد والتطوير في مناهج عمل الحركة". والمراد من هذه الدعوة، أن الحركة لا يمكن أن تستمر كما كانت قبل تجربة الحكم، لا في تصوراتها ولا في برامجها ولا في رؤاها ولا أيضا في أشكالها التنظيمية القديمة، فهي مطالبة بإحداث قطيعة مع سرديات الإسلام السياسي الاخواني، باتجاه بناء حزب وطني.

الولادة الجديدة المرتقبة، بعد مؤتمر مارس القادم، سيكون مخاضها كشأن كل ولادة مصاحب بالآلام والأوجاع، وكذلك المخاطر ومنها – وهو الأرجح – عدم القدرة على المحافظة على "وحدة الصف".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.