.
.
.
.

الشيخان: من "التعايش" الى "التحالف"

منذر بالضيافي

نشر في: آخر تحديث:

أزمة حزب "نداء تونس"، التي تمططت أكثر من اللزوم، أدت الى تعطيل عمل كل من الحكومة والبرلمان، لدرجة أنها أربكت المشهد العام في البلاد. وهو ما استدعي تدخل الرئيس السبسي، لإيقاف النزيف داخل "الحزب الأغلبي"، حتى لا تكون تداعياته كارثية على الاستقرار السياسي والاجتماعي، الذي يجمع الكل على أنه "هش". وهو ما يفترض العمل على إدارة "التوافق" و "التعايش" داخل الحزب الحاكم، وأيضا بين الأحزاب خصوصا بين "النهضة" و "نداء تونس"، حتي يتحول الى "تحالف استراتيجي". وهي من أبرز العناوين المستخلصة من الحضور اللافت لكل من الباجي قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي في مؤتمر "الوفاء" لحزب "حركة نداء تونس"، يوم السبت 9 ديسمبر 2016.

1//
بالمناسبة، نريد هنا أن نضع "تدخل الرئيس" في أزمة النداء في سياقه، تدخل لا يمكن التعاطي معه كما لو أنه خرق للدستور، فمن صلاحيات الرئيس الدستورية، حماية الأمن القومي والحفاظ على الاستقرار المجتمعي والسياسي. كما أنه تدخل يكتسب شرعيته من ضرورة حماية مسار الانتقال الديمقراطي، مسار ما زال في طور البناء والتشكل ولم يشتد بعد عوده، بل أنه سيناريو الانتكاس يبقي واردا وبقوة. ان انجاز الدستور هو حلقة مهمة فيه، لكنه ما يزال بحاجة الى بناء مؤسسات دستورية، ودربة داخل النخبة السياسية على التعايش مع الديمقراطية، وهو أيضا ما يزال بحاجة للاستمرار في نهج "التوافق"، الذي أنقذ البلاد من الانزلاق نحو الفوضي، وتجنب أوضاع شبيهة بما يجري في سوريا وليبيا وحتى مصر.

2//
كلمة الرئيس، الباجي قائد السبسي لم تكن "حزبية" بل أن الرجل حرص على مخاطبة كل التونسيين، من خلال التأكيد على ضرورة نبذ "التطرف يمينا أو يسارا"، وأن الانتصار يجب أن يكون ل "الوسطية"، وهي ذات المعاني التي أكد عليها رئيس النهضة راشد الغنوشي، الذي شدد على التوافق وعلى أن "تونس تطير بجناحين، هما النهضة والنداء"، ليستدرك بعد ذلك ويقول أن تونس بحاجة للجميع وبدون اقصاء. كلمتي السبسي والغنوشي في سوسة، تبرز وعي "الشيخين" بأن التحديات التي تواجهها تونس تفترض نبذ التطرف والاقصاء و مأسسة "التوافق"، من أجل مواجهة التحديات الكبيرة، والتي لا يمكن كسبها الا عبر وحدة وطنية قوية ومتماسكة، لا يمكن أن تلد وتري النور الا عبر تحقيق الاستقرار السياسي والمجتمعي، والقبول بالتنوع والاختلاف والاتفاق على ادارة التعايش.

3//
في هذا الاطار، نجد أن حركة "النهضة" التي اختارت الاندماج في الحياة السياسية المدنية، وهي تخطط للاعلان في مؤتمرها القادم عن الفصل بين الدعوي والسياسي، نجدها مطالبة أكثر بفهم المجتمع التونسي الذي تنشط في اطاره، وأن يكون من اعطاء المسالة الوطنية الأولوية، على خلاف حلم البدايات الذي يركز على حلة "الدولة الاسلامية" التي تنتفي فيها الحدود. وقد بينت دراسة جامعة ميريلاند الأميركية أن أكثرية التونسيين مع تطبيق العلمانية، وضد التدخل في حرية المرأة، مع تراجع ثقتهم في السلفيين. وأيد 73 بالمائة من التونسيين الفصل بين الدين والسياسة، ورفض 71 بالمائة منهم تولي الإسلاميين الحكم، فيما اعتبر 65 بالمائة أن تطبيق الشريعة الإسلامية ليس خيارا سياسيا ناجعا.

من جهة أخري، فان الصف المقابل ممن يحسبون أنفسهم على التيار العلماني، الذي يحرص البعض منهم على تقديم أنفسهم كما لو أنهم حراس للدولة المدنية، عليهم محاولة فهم الحراك و "التدافع" الداخلي، الذي تعرفه حركة "النهضة" الاسلامية، لا التمترس وراء التلويح ب "فزاعة" الاسلاميين، دون محاولة فهم التحولات المهمة التي تشق الحركة الآن. كما أن عليهم الانتباه الى أن ورقة "التخويف" من الاسلاميين ليست دائما ذات جاذبية، وأن بريقها و "سحرها" في تراجع، وأن قطاع واسع من التونسيين ضد خطاب الانقسام، ومثلما يرفضون حكم الاسلاميين، فانهم لا يعادون وجود حركة ذات هوية سياسية محافظة.

4//
ان وضع البلاد اليوم، يبعث على الانشغال، في ظل ركود اقتصادي وتململ اجتماعي، اضافة الى تصاعد المخاطر الأمنية، وهو وضع لا يمكن أن يستمر لأن في استمراره تهديد للمكاسب المنجزة وخاصة في المستوي السياسي. الذي وان كان متسما بالهدوء فانه يعاني من وجود حالة عدم استقرار حكومي، اذ أن تونس تداولت عليها منذ 14 جانفي 2011 نحو ثمانية حكومات، كانت له تأثيراته وتداعياته السلبية على الادارة ومؤسسات الحكم، وبعث الريبة والشك في شركاء بلادنا في الخارج، ما يجعل من التسريع باستقرار مؤسسات الحكم ضرورة ملحة.

في المستوي المجتمعي، نشير الى أن الأوضاع المتردية والمتمثلة في تراجع المقدرة الشرائية، وتقلص دور ووظيفة الطبقة الوسطي، وتنامي حالة الاحباط والخوف من المستقبل، لم تضعف حماسة أغلبية التونسيين في التطلع الى تحقيق الاستقرار، برغم تراجع ثقتهم في السياسيين وخاصة في الأحزاب السياسية، ما يجعل من اقدام البعض على بعث أحزاب جديدة، بمثابة تعبير عن عدم فهم لما يجري في رحم المجتمع التونسي.

5//
مقابل تراجع الثقة في الأحزاب، نجد أن التونسيين مازالوا يثقون في المؤسسات الرسمية القائمة، وهو مؤشر مهم يمكن البناء عليه في المستقبل. فقد نشرت مؤخرا جامعة ميريلاند الأميركية نتائج دراسة مقارنة حول الوضع في تونس بين 2013 و2015، و أظهرت أن 95 بالمائة من التونسيين يثقون في مؤسسة الجيش، وأن 52 بالمائة لهم ثقة في رئيس الحكومة، و54 بالمائة يدعمون رئيس الجمهورية. وهي "ثقة" مستمدة أساسا من وجود توجه مجتمعي عام، يفضل الاستقرار حتي وان تعطلت أو تأخرت الانجازات. كما يشير الى وجود وعي مواطني كبير بصعوبة المرحلة والتحديات التي تواجهها البلاد، وهو ما جعلهم "متفهمين" لأداء الرئيسيين في قرطاج والقصبة.

من هنا فان حكومة الحبيب الصيد، وبعد ادخال تعديلات على تركيبتها، نجدها مطالبة بالانتقال من طور تصريف الأعمال الذي طبع أدائها في سنتها الأولي، الى جرأة أكبر في الانتقال نحو الاصلاحات الكبري. وهو ما يفترض في المقام الأول اعادة هيكلة رئاسة الحكومة، وتطوير اساليب ومناهج عملها وابتكار الحلول لا الاقتصار على تقديم حلول قديمة ومتوارثة وروتينية لمشاكل جديدة ومعقدة. كما أن الأحزاب المكونة للتحالف الحكومي، هي بدورها مطالبة بدعم قوي وواضح للحكومة، لا تركها معزولة مجتمعيا وسياسيا كما هو الأمر خلال السنة الأولي لحكومة الصيد. ويتوقع أن يكون لحلحلة أزمة "نداء تونس"، وتحمس "النهضة" لدعم الشراكة بين الحزبين، تأثير كبير على عمل الحكومة. التي عليها أن ترسم سياسة اتصالية جديدة، ربما يكون تعيين ناطق رسمي باسمها ( خالد شوكات)، مؤشر نحو القطع مع سلبيات المرحلة السابقة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.