.
.
.
.

خليّة العبدلي.. سفارات تحرس القتَلة

فهد بن سليمان الشقيران

نشر في: آخر تحديث:

مثّل الحكم على «خليّة العبدلي» بالكويت امتدادًا للحزم الخليجي تجاه الإرهابيين، إعدامات في السعودية ضد الإرهابيين، وحكم بالإعدام في الإمارات ضد منتمٍ إلى «داعش»، والحكم الصارم على أعضاء خليّة العبدلي في الكويت. الخليّة هي واحدة من ثمرٍ مُرّ سامّ زرعته إيران في المنطقة وكلّفت به ذراعها الإرهابية، حزب الله، الذي شكّل هذه الخليّة الخطرة الإجرامية منذ أوائل الثمانينات في الكويت وإن لم تحمل نفس الاسم تحديدًا غير أنه استعان بتشكيلاتٍ ثورية تابعة لإيران للقيام بأعمال إرهابية بالاستفادة من بعض الفلسطينيين آنذاك. خليّة العبدلي تعيد تلك الأيام بأسلحةٍ مهولةٍ، وبتخطيط منظّم، ودعمٍ غير محدود.
بالعودة إلى لائحة الاتهام فقد ورد اسم ميليشيا حزب الله فيها أكثر من مائة وخمسين مرة. لائحة كتبت بخمسين ألف كلمة، وبمائتي صفحة، كان حزب الله فيها محوريًا مع مرجعه الحرس الثوري الإيراني، حيث تخابرت الخلية مع حزب الله وتلقت الدعم والتدريب، وتلقت المعلومات والمنافع. حضر حزب الله في اللائحة أيضًا من خلال ترتيبه للعمل المسلّح ضمن الحرس الثوري ومنظّمتها ومع قادة في حزب الله تحت غطاء دبلوماسي، هذا مع تحركات ميدانية، متسترين بالجوازات الدبلوماسية والمقرات والقنصليات الإيرانية، بما فيها القنصلية الثقافية.
حزب الله كان رأس الحربة في التجنيد والتخطيط للجاسوس الإيراني عبد الرضا حيدر دهقاني، الذي اتفق مع الحزب على تجنيد وتدريب مواطنين في معسكرات الحزب على الأسلحة والمفرقعات والمدافع الرشاشة وأعمال مخابراتية وعسكرية. دهقاني هذا جاسوس إيراني الجنسية، يجيد اللهجة الكويتية، تغلغل في الكويت من خلال علاقاتٍ ودعمٍ استثنائيين، وتسترٍ بالعمل الدبلوماسي والمؤسسات التابعة لإيران، وقد حكم عليه غيابيًا بـ«الإعدام»، ويعتبر هو والكويتي حسن عبد الهادي علي حاجية محورَي «خلية العبدلي»، والعقلين المدبرين والمخططين لها.
تتحرّك الخليّة وسط حذر شديد.. أماكن كثيرة تحرّكت عبرها خليّة العبدلي في الداخل والخارج، أسلحة هرّبت من إيران عبر البحر، والتدريب في مقرّات حزب الله بلبنان، والتحرّك في الكويت. واللقاءات السريّة تمركزت في مزرعة العبدلي، وديوانية الرميثية، وحسينية خورشيد. المتّهمون كلهم تلقوا تدريباتهم على أيدي حزب الله في لبنان، حيث تكفّل دهقاني المنضوي بالحزب منذ عام 1996 بترتيب كل أشكال التدريب والعودة بهم مجددًا إلى الكويت، وفي بعض الأحايين تتم الاجتماعات في سفارة إيران بالكويت.
خزّنت الأسلحة تحت الأرض بشاليه في منطقة النويصيب، والصبية والركسة. الأغرب أن لائحة الاتهام الغنيّة بالمعلومات الخطيرة والتي لم تقرأ وتحلل بما يكفي، ذكرت أن حسن عبد الهادي علي حاجية تواصل وتلقى دعمًا ماديًا من الملحق الثقافي في السفارة الإيرانية، وأعضاء هذه الخليّة هم أقارب لمن قاموا بجريمة الحج في بيت الله الحرام عام 1989.
بين الحكم على الخليّة هذه وإعدام الـ47 مدانًا سعوديًا أقل من أربعة أيام، واتضح من خلاله أن الإرهاب الإيراني وتحرّك حزب الله في الخليج يعود بتطوّر أكبر، وإذا كان في أوائل الثمانينات وما تلالها قد فجّر المقاهي، وحاول اغتيال أمير الكويت، واستهدف طائرة «الجابرية»، وأشعل الحرائق وارتكب المجازر، فإنه اليوم يعود بتكتيكٍ قريب من سلوكيات الجماعات الإرهابية الأعنف بالعالم، فحزب الله الكويت وحزب الله الحجاز وحزب الله البحرين كلها تمارس نفس سلوك «داعش»، واختلاف المذاهب والمرجعيات لا يلغي تشابه أشكال الحركة وأساليب القتل، وأنواع الترتيب للعمليات والمخططات، وتنظيم «إدارة التوحش».
منذ الأربعينات وخلايا الثورة الإسلامية في إيران الطامحة إلى الحكم والحالة الاستئصالية تطرح بوصفها جزءًا أساسيًا من أي عملٍ سياسي. نتذكّر منظّمة «فدائيان إسلام» بقيادة سيد مجتبى ميرولحي المعروف بـ«نواب صفوي» ومعه الإخوة وحيدي، وإبراهيم كريم أبادي، وعبد الله كارباشيان، وكان سلاحهم الأساسي هو «الاغتيال»، وكان من بين الأعضاء الصغار في هذا التنظيم روح الله موسوي (الخميني)، والأخير لم يكن حمامة سلام، بل كان راضيًا عن اغتيال «فدائيان إسلام» لأحمد كسراوي في عام 1946 (انظر التفصيل في الصفحات من 145 من كتاب «مصدّق والصراع على السلطة في إيران»، تأليف: هوما كاتوزيان).
مؤسسات الدولة في إيران هي طارئة على كيان الثورة، وبالتالي فإن عمل تلك المؤسسات تديره مراوح الثورة لا قيم المدنيّة والدولة. أوباما وفي خطبته بعد إبرام الاتفاق النووي ذكّر بأن الخلافات مع إيران لا تزال قائمةً بسبب «زعزعتها للاستقرار»، ووزيرا الخارجية السعودي والإماراتي طالبا إيران بتجاوز الثورة وصولاً إلى قيم الدولة ومؤسساتها وقوانينها. باختصار، لا توجد دولة بالمنطقة تمارس العنف وزعزعة الاستقرار وتخرج عن أدبيات الدولة وأسس الصراع والسلم إلا إيران. وأبرز برهانٍ على ذلك الخلايا المتناسلة التي تكتشف دوريًا في دول الخليج، وترجع كلها إلى الحرس الثوري الإيراني وأحزابه ودكاكينه في لبنان وسوريا والعراق.
خليّة العبدلي وإحراق سفارة السعودية والقنصلية، وكل عمليات الإرهاب الأخرى لأحزاب الله في الخليج، عبارة عن صورة أمينة لإيران. إن العمل الإرهابي هو شكل إيران الحقيقي؛ التخطيط للقتل والتدمير والنسف. الخطوة الضرورية القادمة الحذر من تحويل السفارات الإيرانية في الخليج إلى غرف عمليات إرهابية. قبل خليّة العبدلي كان البعض يرى في هذه المقولة مبالغة، غير أن سفارة إيران في الكويت كانت كذلك بنص لائحة الاتهام التي أشرنا إليها. لا مناص من اليقظة الدائمة تجاه هذه الأذرع، فالتهديدات التي تواجهنا كثيرة شرقًا وغربًا، وعلى كل الجبهات...

وسوى الروم خلف ظهرك رومُ
فعلى أيّ جانبيك تميلُ

*نقلاً عن صحيفة "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.