.
.
.
.

النفط.. وأمن الكويت

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

ما زلت مهموماً بالأمن الكويتي الذي يترسخ باطمئنان، عندما تتكاتف طاقات الكويت كلها لتحقيقه، شعبها ومؤسسات الدولة فيها والجمعيات الأهلية الخيرية، ولا استثناء في ذلك لأحد، ويبقى همّ الأمن مسكوناً في ضلوع الدولة وفي رئتها وفي تنفس كل فرد من أبنائها.

وأشعر بأن تراخي النفط الكويتي في سعره وفي مكانته يؤذي المنظومة الأمنية الكويتية والخليجية، فقد احتلت دول الخليج منذ السبعينات منزلة استثنائية في الكيانين السياسي والاقتصادي العالمي بعد انكشاف ندرة النفط في العالم، إثر الحظر النفطي الذي اتخذته دول الخليج في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وارتفاع سعره وعلو شأنه في الاستقرار والسلم العالميين، ومنذ ذلك الوقت أدركت دول الخليج الاستثنائية الجيولوجية، التي تملكها والتي رفعت مكانتها في الشأن العالمي سياسيا واقتصاديا.

النفط ليس سلعة عادية يستغني العالم عنها ويتجاهل تقلباتها، كما أنها سلعة لا تنطبق عليها حقوق السيادة، وهي بضاعة عالمية تحرك حياة الانسان أينما كان، وتربط سعادته بتدفقها واستمرارها، ولذلك فإن للخليج شركاء لهم حق القول في توفير انتاج هذه السلعة بالحجم الذي يفرضه العالم.

وهنا تبرز بعض الحقائق، منها ما يلي:

أولاً: أسس النفط علاقات استراتيجية خاصة بين مجلس التعاون والدول الغربية الكبرى، لاسيما الولايات المتحدة، في ترابط أمني يضمن استمرار الانتاج وسلامة مساراته البرية والبحرية ليصل بلا تدخلات إلى المتسهلكين العالميين، هذه الترسانة الأمنية الناجحة تظل مؤثرة وفاعلة، طالما أن مجلس التعاون يحتكر مخزون السلعة النادرة، ويسترخي تأثيرها ويضعف نفوذها إذا ما جاءت التكنولوجيا الحديثة ببدائل من دول أخرى أو من محيطات مع تحول تكنولوجي يقتحم الصخور.

ثانياً: فرضت الاستثنائية المالية التي رافقت ارتفاع أسعار النفط على دول الخليج السخاء المتميز في المشاركة في التنمية العالمية، متخذة نماذج مختلفة في هذه المشاركة، منها الصناديق، ومنها المنح المباشرة، ومنها الودائع، ومنها عطاء الدبلوماسية الانسانية.
ثالثاً: لم تواكب دول مجلس التعاون في حواراتها مع كبار المستهلكين، التبدلات الاستراتيجية الأمنية، في دبلوماسية النفط، وظهرت بحالة المفجوع من طبيعة هذه التبدلات التي هبطت بالأسعار بشكل غير متوقع ولم تعمل على تطوير تكنولوجيا النفط بما يتلاءم مع الانجازات المذهلة التي جاءت بها الدول المستهلكة، التي سعت منذ بداية السبعينات الى فك احتكار الخليج للاحتياطي النفطي العالمي.

رابعاً: يتطلب واقع اليوم، الذي يهدد مكانة الخليج الاستراتيجية، أمنيا واقتصاديا، تدشين حوارات معمقة مع الولايات المتحدة وكبار المستهلكين، لوضع قواعد لعلاقات استراتيجية مستقرة، بين مجلس التعاون وكبار المستهلكين قائمة على تبادلية المصالح ومستندة على ثقة تامة ومصداقية نقية، ويتم ذلك في إطار ثنائي خارج عن منظمة أوبك.

المكانة النادرة والموقع الاستراتيجي الاستثنائي الذي يتمتع بهما الخليج هما بشكل كبير من صنع النفط، فإذا تضاءل مقامه عالميا، تضرر الخليج في مكانته وفي أمنه وازدهاره..

وأكرر القول دائما ان الكويت تعاني عجرفة الجغرافيا وغلاظتها وأحداث الغزو تفحم الاجتهادات بغير ذلك.
نعيش في عالم المصالح، والنفط أبرز السلع في دنيا المنافع ومجلس التعاون هيئة الدفاع عن مصالح الأعضاء، ولا بد من تحرك جماعي سريع لوضع إطار موحد لدبلوماسية نفطية خليجية تلتقي مع واقع اليوم الذي لا يتوقف عن تفجير مفاجآت لا تريح.

* نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.