لماذا دعم التعليم في سوريا يجب أن يتخطى الدعم المباشر للمدارس

أدريان تشادويك
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

تخيّل لو أنّ لديك طفلاً في السادسة من العمر، دخل المدرسة عام 2011 بالتزامن مع بداية الثورة على نظام الأسد.

من المرجّح جداً أنّ دراسة طفلك تعرقلت في البداية، لتتوقف بعدئذٍ بالكامل. وبعد مرور خمس سنوات، لعلّك قد تركت بيتك، أو تعيش في مخيمٍ للاجئين على الحدود السورية، أو في المساكن المخصصة لحالات الطوارئ في إحدى البلدان المجاورة.

إلّا أنّ طفلك قد اجتاز في الواقع حوالى نصف ما كان من المفترض أن تكون مسيرته الدراسية. ففي سنّ الحادية عشر، من المفترض أن يكون الطفل جاهزاً لمرحلة التعليم المتوسط، يشقّ طريقه نحو الامتحانات الرسمية. لكنّ طفلك، على غرار مئات آلاف الأطفال، بالكاد تلقّى أي تعليمٍ رسمي على الإطلاق.

هذا هو شباب سوريا اليوم، شبابٌ محرومٌ من التعليم الذي سيشكّل أساس إعادة بناء سوريا عندما ينتهي الصراع يوماً ما.

أمامنا خياران. إمّا أن يضيع هذا الجيل – فيكون جيلاً غير مؤهّلٍ للعمل أو للتعليم العالي بعد أن أمضى سنوات التعليم يعيش كلاجئ يعاني من فجوات واسعة في العِلم بدلاً من أن يتمتّع بالمهارات التعلّمية التي يحتاج إليها لتحقيق النجاح في القرن الواحد والعشرين.

وإمّا أن نخلّصه عبر التمويل الدولي المكثّف من أجل تأمين تعليمه، ودعم المدارس التي تعاني من حملٍ ثقيلٍ في البلدان المجاورة لسوريا، ومعالجة المشاكل الاجتماعية الكبيرة خارج بوّابات المدارس التي تعيق مستقبل الملايين.

وتثير الأرقام القلق بحقّ، إذ تقدّر منظمة إنقاذ الطفولةSave the Children أنّ 2.8 مليون طفلٍ سوري اليوم غير ملتحقين بالمدرسة، وأنّ ثلثي اللاجئين في تركيا غائبون عن مقاعد الدراسة. وأُقفلت أكثر من أربعة آلاف مدرسة وفرّ من البلاد 52 ألف معلّم سوري. وازداد عدد سكان لبنان بنسبة الربع. وتعاني المدارس في لبنان والأردن وتركيا من الاكتظاظ بسبب الأطفال اللاجئين، فباتت تعمل بدوامين – صفّ في الصباح وآخر بعد الظهر.

وإذا تحركنا الآن، هل بامكاننا تجنب خيبة الأمل أو عدم الالتزام أو ما هو أسوأ.

وتشكّل هذه الفجوة التعليمية جزءاً من جدول أعمال مؤتمر المانحين لدعم سوريا Syria Donors’ Conference الذي سيُعقد في لندن هذا الأسبوع بدعوةٍ من المملكة المتحدة والكويت وألمانيا والنرويج ومنظمة الأمم المتحدة.

وتُعتبر الأزمة الإنسانية السورية اليوم الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية، إلّا أنّه يجب ردم الهوة في التمويل لهذا العام التي تبلغ 5 مليارات دولار أمريكي.

وقد استضافت الكويت في السابق ثلاثة مؤتمرات للتمويل، وتتولى المملكة المتحدة اليوم هذه المهمة بعد أن خصصت أكثر من 1.5 مليار دولار أمريكي للأزمة السورية منذ العام 2012.

وسوف تُستخدم معظم الأموال التي ستُجمع لتأمين الغذاء والمسكن ومساعداتٍ فورية أخرى. لكن مع حلول العام الخامس على بداية الصراع، ما من مؤشراتٍ تبشّر بنهاية قريبة له، إذ من المحتمل أن يؤدي وضع السوريين والمجتمعات في البلدان المجاورة إلى زيادة عدم الاستقرار على الرغم من المساعدات الوافرة.

إلّا أنّ الوضع بات مختلفاً الآن، إذ أصبحت مساعدة الشباب السوري مشروعاً طويل الأمد. فعلى مستوى العالم، يمضي اللاجئون 17 سنة من حياتهم في التشرد. وستلازمنا هذه المشكلة في السنوات الآتية، فالأموال التي تنفَق على التعليم اليوم غير كافية على الإطلاق. لغاية الآن فقط واحد في المئة من المساعدات الانسانية تم انفاقه على التعليم. المؤتمر الذي سيعقد هذا الأسبوع سيسعى لتأمين الدعم المالي اللازم لحصول جميع الأطفال السوريون وأطفال المجتمعات الحاضنة على التعليم في سنة 2016\2017.

وفي حين يشكّل تأمين التعليم المدرسي ضرورةً ملحّة، من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار أيضًأ عوامل تتخطى بوابة المدرسة في تمويل قطاع التعليم.

نتيجة الخبرة التي اكتسبناها من عملنا و نتيجة خبرة مؤسسات داعمة عالمية أخرى تبيّن أهمية التعليم في بناء الأفراد ومجتمعات مرنة. المرونة هي من الضروريات في أزمات مماثلة تساعد الأفراد على التأقلم مع وضعهم الحالي بكافة مصاعبه والتقدّم نحو أمور أفضل.لكن الصعوبات في عملية التعليم موجودة.

ويشكّل نقص المهارات اللغوية غير العربية حاجزاً هائلاً أمام الطلاب السوريين. ففي لبنان، أقام المجلس الثقافي البريطاني شراكةً مع الاتحاد الأوروبي لتعليم اللغتين الإنكليزية والفرنسية لكي يتمكّن الطلاب السوريون من التعلم في مدارس لبنان المتعددة اللغات. لكن في تركيا، تشكّل الصفوف التي تعلَّم باللّغة التركية صعوبةً أكبر لهؤلاء الطلاب.

وندعو إلى تعزيز تعليم اللغات الأجنبية، إذ يخوّل الطلاب النازحين الحصول علي التعليم في البلدان المتواجدين فيها والحصول على مؤهلاتٍ معترف بها عالمياً ومهارات هم بحاجة اليها.

ان نظام التعليم في الاردن ولبنان وتركيا تحمل أعباء كثيرة لأستيعاب العدد الهائل من التلاميذ النازحين. هذه الدول بحاجة ماسة للمساعدة لدعم نظام التعليم لديهم ومساعدتهم في استكمال هذه المبادرة.

ويشكّل نظام التدريس بدوامين إحدى الحلول الفعالة – وكلفته في لبنان 10 دولار أمريكي للطالب الواحد في الأسبوع فقط. ومع ذلك، يقدَّر المبلغ المطلوب لتمويله بالشكل المناسب في المنطقة بـ500 مليون دولار أمريكي. وتزداد حدة التوترات يوماً بعد يوم – فالمدارس مكتظة، واللاجئون غير مرغوب فيهم والمعلّمون مجهدون.

ومن العوامل المهمة التي تبقي الأطفال خارج المدرسة المشاكل المادية بكلّ بساطة. فقد خسرت الكثير من العائلات اللاجئة كل ما تملك- من بيوتها إلى مداخيلها ومدخراتها. ويعتمد عددٌ كبيرٌ منها على مساعدات الأمم المتحدة والمجتمعات المتواجدين فيها.

وفي ظلّ هذه الظروف تُعتبر المدارس ترفاً. فيرسَل الفتيان للعمل في حين يتم تزويج عدد أكبر من الفتيات الصغيرات يوماً بعد يوم – إذ أوضح تقريرٌ لليونيسيف أنّ واحدة من بين خمس عرائس سوريات لم يكملن الـسادسة عشر من العمر. وفي الحالتين، يميل هؤلاء الأطفال إلى عدم العودة إلى المدرسة، ما يؤدّي إلى تدمير آمالهم في بناء مستقبلٍ مهني ناجح.

وهذا الأسبوع، في لندن، يجتمع المجتمع الدولي لدعم شباب سوريا. دعم المدارس التي هي في حاجةٍ ماسةٍ إلى المساعدة المادية، لكن أيضًا في معالجة مسألتَي الفقر والإقصاء اللّتين تمنعان الأطفال حتى من الوصول إلى بوابة المدرسة.

*المدير الاقليمي للمجلس الثقافي البريطاني في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا.


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط