.
.
.
.

سرّ منتصف الليل

عدنان حسين

نشر في: آخر تحديث:

الذين أخذتهم الدهشة، والذين غلبهم الاستغراب، والذين سخروا، والذين تهكّموا، والذين استنكروا، والذين لاموا، تعبيراً عن ردود أفعالهم حيال البيان الذي ألقاه رئيس مجلس الوزراء عند منتصف الليلة قبل الماضية، لهم جميعاً الحق، كل الحق، في ما فعلوا، ولا لوم ولا تثريب.
السيد العبادي أطلّ عبر الشاشة الصغيرة في موعد غير مألوف، والناس الذين شاهدوه، فيما كانوا يهمّون بالرقاد في أسرّتهم، ظنّوا أنه سيبلغ عن نبأ عظيم أو يعلن عن قرار خطير يتصل، مثلاً، بسد الموصل الذي تشغل قضيته بال العراقيين هذه الأيام أو بعملية تحرير الموصل التي ترنو اليها الأنظار وتهفو القلوب، أو بحلّ سحري للأزمة، بل المحنة، المالية التي تعيشها دولتنا الآن، ينطوي على استعادة عشرات مليارات الدولارات التي استحوذ عليها كبار الفاسدين والمفسدين وهرّبوها الى ما وراء الحدود، وهو ما كان في أساس هذه الازمة أو المحنة.
بعيداً جداً عن هذا كله ذهب السيد العبادي في كلمته القصيرة، فهو دعا مجلس النواب والكتل السياسية الى "تغيير وزاري جوهري"، وهذا هو الشيء الجديد الوحيد الذي تضمنته الكلمة، فيما ليس بالجديد الحديث فيها عن الثقة والقدرة على تجاوز الأزمة الحالية باجراءات إدارية، وتوزيع الاراضي على المحتاجين، وإحياء الزراعة والصناعة، وصون أملاك الدولة واجتذاب الاستثمارات الخارجية.. هذا كلام يُقال في كل مناسبة.
لم أفهم، وأظن أن أحداً غيري لم يفهم أيضاً، لماذا لم يلقِ السيد العبادي كلمته هذه بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية بساعتين أو ثلاث، ولا لماذا لم يؤجل إلقاءها الى اليوم التالي، فما من شيء فيها له طابع الاستعجال. وحده السيد العبادي ومن يحيط به يعرفون السرّ الذي قد يُثير هو الآخر، اذا ما هُتِكَ ستره، مشاعر الدهشة والاستغراب والسخرية والتهكم، وسوى ذلك.
المهم ان دعوة السيد العبادي إلى تغيير وزاري جوهري تبدو غريبة للغاية، فقرار كهذا هو قراره، فهو رئيس مجلس الوزراء الذي منحه الدستور وحده، وليس الكتل السياسية، سلطة وصلاحية اختيار أعضاء الحكومة وتكوين تشكيلته الوزارية منهم وعرضها على مجلس النواب للقبول بها أو رفضها. وفرصة التغيير الوزاري كانت مهيأة للسيد العبادي بأحسن ما تكون التهيئة في الصيف الماضي عندما تظاهر الشعب بأعداد غفيرة مطالباً بالاصلاح والتغيير، وعندما تقدّم السيد العبادي بحزمته الاصلاحية التي لم يجد مجلس النواب الخائف من غضبة الشعب مناصاً من تأييدها ودعمها بحزمة موازية، بيد ان تردد السيد العبادي وعدم قدرته على التقاط اللحظة التاريخية التي توفرت له (تأييد شعبي عام واسناد من المرجعية ودعم اقليمي ودولي واسع النطاق) هو ما جعل مهمة الاصلاح والتغيير متعثرة، بل غير متحققة.
السيد العبادي يعرف، كما نعرف، أن الكتل السياسية الرئيسة التي تستحوذ على أغلبية مقاعد البرلمان لا تريد تغييراً وزارياً جوهرياً أو غير جوهري ولا إصلاحاً من أي نوع أو بأي مستوى، فلا جدوى من طلب ذلك منها (لا تطلب الحاجات الا من اهلها) .. المجدي أن يتقدم رئيس مجلس الوزراء الى مجلس النواب مباشرة بتشكيلته الحكومية الجديدة التي عليه ان يجعلها مناصفة بين ممثلي الكتل، لاسترضائها، والتكنوقراط الذين ينبغي أن يُختاروا على نحو سليم، من الكوادر المشهود لها بالكفاءة والنزاهة والوطنية .. وقتها سيُلقي العبادي بالكرة في ملعب هذه الكتل وسيجعلها في مواجهة الشعب، إن رفضت، كما فعل في آب الماضي عندما تقدّم بحزمته الاصلاحية التي لم يتابع تنفيذها!

* نقلاً عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.