.
.
.
.

القصة المصرية

عبد المنعم سعيد

نشر في: آخر تحديث:

عندما كنا ندرس علم إدارة الأزمات كان أول الأمور التى نتعلمها هو «تعريف الموقف»، بمعنى معرفة المصالح الوطنية المهددة، وأولوياتها، وطبيعة كل تهديد، وأى منها يستحق أو لا يستحق استخدام القوة المسلحة، وترتيب الحلفاء والأصدقاء والمحايدين، إلى آخر أمور عديدة تُفضى بعد ذلك منطقياً إلى الخيارات المتاحة أمام صانع القرار، وثمن كل منها دماً ومالًا. ومن هذا التعريف والخيارات تخرج إدارة الأزمة، وتحديد متى تكون الإدارة ناجحة، ومتى تكون فاشلة، من خلال سلسلة من الإشارات والتحركات، وكلتاهما حزمة واحدة تزيد من حجم الدعم الذى يأتى للدولة، ويعطى تحركاتها «مصداقية» يثق فيها الأصدقاء، ويرهبها الأعداء. وفى قلب هذا الموضوع توجد القصة التى تقدمها الدولة للرأى العام الداخلى والخارجى معاً، والتى صارت هناك ضرورة فى العصر الحالى إلى أن تكون قصة واحدة، فالداخل والخارج صارا معاً جزءاً من مسرح إعلامى واحد.

مصر خلال السنوات الخمس الماضية تعيش حالة من الأزمات المتراكمة، والتى من كثرتها وتتابعها باتت نوعاً من العادة. ارتفع سقف التوتر والقلق العام، وتم التعامل مع الواقع بقدر من الاستقرار الذى يجعل ما يجرى نوعاً من طبيعة الأشياء. كثير من الموضوعات باتت كلها معلقة فى انتظار الحسم من أول الأمن إلى الاقتصاد، وحتى الملفات الكبرى للتعليم والصحة وغيرهما من موضوعات. ودون الدخول فى كيفية إدارة الأزمات المختلفة، أو حتى الأزمة العامة التى تلفها جميعا، فإن القصة المصرية، أى القصة التى ترسلها الدولة المصرية، عادة ما تضيف إلى القلق والتوتر العام فى الداخل، وضعف المصداقية فى الخارج. النتيجة هى زيادة الأعباء على صانع القرار وهو يحاول الخروج بأمان من شبكة الأزمات التى يواجهها.

القصة المصرية فى العادة لها وجهان: وجه يتضمن جهود الدولة للتعامل مع الأزمة العامة بالحرب ضد الإرهاب، والوجه الآخر يضم عدداً من المشروعات الاقتصادية التى يُنتظر منها أن تقوم بدور المحفز للاقتصاد بدفع كمية كبيرة من الدماء فى عروقه. الوجه الأول يتضمن تضحيات هائلة، والثانى هو جزء من سياسات معظم الدول التى يعانى اقتصادها من انكماش حاد. والمعضلة أن هذه القصة تعانى قدراً كبيراً من نقص المناعة حينما تظل فى معظم الروايات ناقصة لجزء من أجزائها أو بعض من تفاصيلها المهمة، أو يتم تقسيمها إلى قصص فرعية كثيرة لا يعلم أحد ما يربطها، وما الذى يحدد أولوياتها، والأهم ما هى التكلفة دماء ومالًا. يضاف إلى ذلك علامة الاستفهام الكبرى عما إذا كنا ننجح أو نفشل، أو درجة ما بين هذا وذاك، فى تحقيق الأهداف التى نريد تحقيقها. وفى الأسلوب، فإن القصة فى العادة تُطرح مرة واحدة، وإذا طُرحت مرة أخرى فإنها تكون مغايرة على الأقل فى بعض التفاصيل، فتُحسب أمور أحيانا بالدولار، وأحيانا أخرى بالجنيه المصرى، والفارق بينهما كبير، وطالما استمر هذا الفارق فإن معناه أن الدولة قد استمرأت العيش فى ظل كذبة كبرى: أن يكون للعملة سعران وتتخيل أنه يمكنك الإصلاح الاقتصادى. ولن تعرف أبداً ما إذا كان الطرف الآخر فى العاصمة الإدارية هو «العبار» أو الشركة الصينية، أو أطرافاً مصرية غامضة.

أكثر الأخطار التى تتعرض لها القصة المصرية تأتى من انفراطها إلى قصص كثيرة فرعية. فخلال الأسابيع القليلة الماضية انشغلت الدولة بالعديد من الأحداث المتناثرة التى أعطت المحتجين على الدولة صيدا ثمينا لإشعال شبكات التواصل الاجتماعى، والأهم منها الوصول إلى شبكات الصحافة والتليفزيون العالمية. قصص أمناء الشرطة واستعادة الصورة القديمة للشرطة ذائعة ولها تفاصيل كثيرة، كل منها يكفى لكى يكون قصة منفردة، وإذا أضيفت لها قصص السجادة الحمراء، والستارة غير الحمراء، وحوادث قطار الصعيد، والشاب الإيطالى، والأولتراس، واستقالة المستشار سرى صيام، فكلها يكفى لتشتيت الأذهان، وضياع القصة الأصلية وسط ركام من القصص الأخرى المثيرة بحيث تجتذب شبكات الإعلام، ومحبطة لأنها تركز باستمرار على أن لا شىء تغير فى هذا البلد.

غرق القصة المصرية وسط هذه القصص يشير إلى خطأ هيكلى فى عملية اتخاذ القرار، فضلاً عن الأخطاء التى تتراكم فى التعامل مع كل قصة على حدة. فالواضح أنه لا يوجد «تسويق» للقرارات التى تتخذها الدولة كجزء من قرار إدارة الأزمة أو الحدث أو التعامل مع موضوع. والأخطر أن الاعتماد على الرئيس السيسى وحده فى ترويج القصة المصرية يسبب قصوراً فى المعالجة، لأنها تؤكد مباشرة على الفكرة الذائعة فى الداخل والخارج حول حكم الفرد الواحد، بينما الواقع يقول إن البيروقراطية تشارك بقوة فى الحكم، ومعها السلطة القضائية، والإعلام، وجماعات من المجتمع المدنى، ومؤخراً مجلس النواب، تلعب أدواراً متباينة القوة فى التعامل مع القضايا، واتخاذ القرار. الأمر بالتأكيد يحتاج إلى مراجعة، وبعدها لابد من التخلص من الأصول السلبية للمشاكل، وليس فقط التعامل مع أعراضها التى تتكرر بمعدلات متسارعة، سواء كانت فى وزارة الداخلية، مع الاحترام الكامل لتضحيات العاملين فيها، أو فى سعر الجنيه، أو أىٍّ من المعضلات أو القضايا التى نتعامل معها.

*نقلا عن "المصري اليوم"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.