مشنقة فى التحرير!

سليمان جودة
سليمان جودة
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

فى مايو الماضى، أعدم رئيس كوريا الشمالية وزير الدفاع، لأنه غفا أثناء لقاء عام حضره الرئيس!.

ولم يشأ الرئيس أن يعدمه وفقط، وإنما أعدمه بطريقة كانت حديث العالم فى حينها.. لقد أطلق عليه قذيفة من مدفع مضاد للطائرات!

وقبل ثلاثة أيام، أعدم رئيس الأركان، وكانت التهمة هذه المرة أنه فاسد، ولم تكشف الحكومة هناك عن الطريقة التى جرى بها إعدام الرجل، وما إذا كانت هى نفسها الطريقة القديمة التى أعدموا بها وزير الدفاع، أم أنهم اخترعوا طريقة جديدة!

وفى الحالتين كان القصد هو الردع، وليس مجرد توقيع عقوبة على مخطئ أو مجرم!

ولا أعرف لماذا حين قرأتُ تفاصيل حادث قطار بنى سويف، تصورت أن هذا الحل الكورى، فى التعامل مع المخطئين والمجرمين، قد يكون هو الأنسب عندنا، لأننا، بصراحة، نمر بفترة من الميوعة، ومن الليونة، وانعدام الإحساس بالمسؤولية على أغلب المستويات الرسمية، وهى فترة لا حل معها، ولا نجاة منها إلا بطريقة فى العقاب تكون رادعة وحاسمة وناجزة معاً!

لقد طلب وزير النقل من مدير الأمن، عند وقوع حادث القطار قبل ثلاثة أيام، أن يتمهل فى وضع الكلابش فى يدى السائق حتى يتبين السبب الحقيقى وراء الحادث، وما إذا كان السائق مسؤولاً أم لا!

عظيم.. فالوزير، كما ترى، رجل حريص على ألا يظلم أحداً، وحريص على أن يتحرى الدقة قبل أن يعاقب أحداً.. ولكن اقرأ معى ما جرى بعدها بـ٢٤ ساعة لترى أنى لم أتحمس للحل الكورى من فراغ!

فالسائق، فى اليوم التالى مباشرة، قال إن يداً خفية عبثت فى الفرامل.. يعنى هو ليس مسؤولاً.. ثم قال عامل التحويلة، فى الوقت نفسه، إن الإشارات عنده كانت سليمة.. يعنى أيضاً أنه غير مسؤول. وأما الوزير من جانبه فقال إننا، معه، نواجه تراثاً من الإهمال، عُمره ٤٠ سنة.. يعنى الوزير كذلك غير مسؤول!

فما معنى هذا كله؟!.. معناه أنه إما أن أكون أنا المسؤول عن الحادث، وإما أن تكون أنت أيها القارئ الكريم، ولا يوجد متهم ثالث!.. أما السائق وأما عامل التحويلة، وأما الوزير.. فجميعهم أبرياء!

قُل أنت ما تشاء فى الحل الكورى.. قُل إنه ضد حقوق الإنسان.. قُل إنه ضد العقل والمنطق.. قُل إنه يتحلل من القانون العادى.. قُل ما تحب، ولكن لا أحد يجب أن ينسى أن دولة بهذه الرخاوة التى نراها فى الأداء العام لن ينصلح لها حال إلا بقبضة مثيلة بقبضة كيم إيل سونج الحفيد فى كوريا الشمالية.. لا أقول بالطبع إن علينا أن نعدم المسؤولين المُدانين بمدافع مُضادة للطائرات.. ولكن أقول إننا فى حاجة إلى مشنقة فى ميدان التحرير!.. وإلا فما معنى أن تتفرق المسؤولية فى حادث القطار، وفى كل مرة هكذا، كما تفرقت الدماء قديماً بين القبائل؟!

المشنقة فى التحرير.. أو الكارثة!

*نقلا عن صحيفة "المصري اليوم".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط