.
.
.
.

حوار عن موسم الترشيد

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

الحراك المشتعل حول ترشيد الانفاق جزء أساسي من التقلبات التاريخية في حياة الشعوب، فلا يمكن ضمان حالة الهدوء في هذه الدنيا من دون تبدلات تأتي من تغييرات مناخية أو زلازل أو انحدار استراتيجي لسلعة ما، كما نرى في واقع النفط مع ثورة التكنولوجيا التي كسرت الصخور وأذابتها لامتصاص ما بداخلها من مكونات الطاقة.
ولأن علو الهامة النفطية جاء من ندرة الحصول عليه، واحتكار الخليج لحقول الاحتياطي، فلا عجب الآن من نزول مكانة النفط مع تكاثر تواجده في أسواق العالم التي تعاني ــ لأول مرة ــ من فائض، محتارة في التصرف حوله.
شعب الكويت وحكومتها وكل من ينتمي اليها استرخى مطمئناً في تواصل الخير والازدهار الذي تولد من النفط، لكنه فوجئ مع الآخرين من الذين يعتمدون على خيرات النفط أن اشعاع دولة الرفاه الخليجية آخذ في الضمور، وأن المستقبل ليس واعدا.
والآن مع بداية الترشيد وتقليص الامتيازات وتصغير البونص والمصاريف التي ضاعفت ميزانية الدولة خلال عشر سنوات عدة مرات من ستة مليارات في عام 2005 ـــ 2006، إلى واحد عشرين ملياراً عامي 2015 ـــ 2016، مما يؤشر إلى خلل كبير في إدارة الدولة، الأمر الذي زاد من مخاوفنا عما يحمله المستقبل.
من دون جدل ستدخل الكويت فصلاً آخر فيه تفكيك متدرج لدولة الرفاه، التي تحتضن المواطن من البداية إلى النهاية في بيئة شعبية اجتماعية لا تشبع، فيها جوع لكل ما هو مريح وسهل من دون عطاء يبرر هذا الغطاء الاجتماعي الآمن الذي شيدته الدولة.
هل تتمكن الادارة الحكومية من تبني الاجراءات المؤثرة في عملية الترشيد، هناك ملاحظات كثيرة حول هذا الشأن، أذكر بعضها:
أولا: تمكنت الرعاية السخية التي وفرها فائض العائد النفطي من صوغ نظام معيشي راسخ في حياة المواطنين، فليس من السهل تخفيض ايجابيات الراحة التي اعتاد عليها المواطن، الذي يعتقد أنها هي حق غير قابل للمس، وهو الأمر الذي يصعب من تقبل المواطن لاجراءات التقشف في غياب حملة التثقيف الواسعة القائمة على مبررات مقنعة تسهل القبول والتطبيق.
ثانيا: هناك شعور قوي من المواطنين برفض غلاظة هذه الاجراءات التي تأتي في وقت لم ير فيه المواطن خريطة متكاملة ومقنعة ترسم طريق مستقبل يبدأ بتخفيض الهدر في اغلاق المشاريع التجميلية، التي ليست من هذه الأولويات.
ثالثا: يشكو المواطن من التوجه نحو تخفيض الدعم في تسهيلات قدمتها الحكومة لجميع المتواجدين، خصوصا الكهرباء والماء والمواصلات والصحة والتعليم، وهي في مجموعها لا تشكل العبء الأكبر.
رابعا: رسم خريطة اجتماعية مستحدثة للمجتمع الكويتي بكل أبعادها السياسية والاقتصادية، خطوة ضخمة تنوي حكومة الكويت اتخاذها بتبني اجراءات لم تتعود هذه الحكومة على اتخاذها، في مجتمع ينظر إلى الحكومة كالحاضنة الشعبية والمساند الأقوى لحياة الاسترخاء، ولكي تنجح الحكومة عليها الالتزام بالحزم والحسم، لأن التردد في التنفيذ سيفتح باب الفوضى المخربة.
خامسا: أرجو أن تعزز الحكومة إيمانها بدور القطاع الخاص الذي عليه أن يفهم ظروف البلد، ويتعامل بشفافية ومشاعر ايجابية ولا يغالي في حجم المكاسب.
الخلاصة: ستدخل الكويت في حالة من التبدلات السياسية والاقتصادية المختلفة، ضرورة نجاحها يتطلب الشفافية والحزم.

*نقلاً عن "القبس" الكويتية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.