.
.
.
.

كلمة السر في الوضع السوري هي إسرائيل

ماجد كيالي

نشر في: آخر تحديث:

فاقت المأساة السورية كل التصوّرات والتخيّلات، فنحن إزاء كارثة بشرية بكل معنى الكلمة، مع أكثر من ثمانية ملايين من اللاجئين المشردين، الذين فقدوا عالمهم وبيوتهم وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، داخل سوريا وخارجها، وثمة مدن دمرت معظم أحيائها، وحوالي نصف مليون من المقتولين، وعدة ألوف قضوا تحت التعذيب، وعشرات الألوف من المعتقلين، ومئات ماتوا من الجوع، وحوالي مليون شخص في مناطق محاصرة؛ وكل ذلك بحسب إحصائيات لمنظمات دولية، علما أن الأرقام أكبر من ذلك بكثير.
من جانب آخر نحن إزاء نظام يقتل شعبه ويدمر عمرانه بصواريخ عشوائية وبراميل متفجرة، محل من أي معايير، تتعلق بضبط الصراعات المسلحة، ومع نظام فتح البلد على مصراعيه للتدخل العسكري الروسي والإيراني، مع ميليشياته العراقية واللبنانية، وسكوته عن “داعش” الذي يتحرك بمواكب سيّارة، ويبني “دولته” المزعومة، بين باديتيْ العراق والشام، دون أن يتعرض لا لقصف البراميل السورية، ولا لقصف الطائرات الروسية، التي تركز عملها على مواجهة الجماعات المسلحة المحسوبة على المعارضة في شمالي حلب وفي درعا ومحيط دمشق.

هذه المأساة، أو الكارثة، التي بات لها قرابة خمسة أعوام، ومازالت مفتوحة على المزيد، والتي يقف في أساسها الحفاظ على نظام تأسس على الاستبداد والفساد، يديره شخص واحد، وتتوارثه عائلة واحدة، مازال لا يجد في العالم أي ردة فعل سياسية أو اخلاقية مناسبة، مع أن ثمة في القانون الدولي مبدأ الحماية الإنسانية، بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (1674 / 2006) الخاص بمبدأ حماية المدنيين، الذي يؤكد في المادة الثالثة منه على أن “الاستهداف المتعمد للمدنيين.. يشكل انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني”، فإنه يؤكد في مادته الرابعة على “المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية”، علما أن هذا القرار، في ديباجته، وفي مادته الثانية، يربط بين سيادة الدول واستقرارها، وبين التزام حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد، أي أن السيادة باتت مقترنة بحقوق الإنسان، والحفاظ على أمن المواطنين، وأن الإخلال بهذه العناصر يشكل خطرا على الأمن الدولي، ما يستدعي تفعييل مبدأ الحماية للمدنيين.

عدا عن قرار مجلس الأمن هذا، لدينا حالات كثيرة تدخلت فيها الولايات المتحدة الأميركية في العالم، بالوسائل العسكرية، متجاهلة الأمم المتحدة، وإرادات الدول الكبرى، كمثل ما حصل في قصة الغزو الأميركي للعراق (العام 2003)، الذي تبين في ما بعد أنه تم ترتيبه عن سابق تصميم، ومع ترويج خديعة كبرى، باتهام نظام صدام حسين بأنه بصدد امتلاك أسلحة دمار شامل، ما يفيد أن حجة الإجماع الدولي في مجلس الأمن، هي مجرد أداة للتلاعب والتورية على تخلي الولايات المتحدة عن التدخل لوضع حد لبطش النظام بالسوريين، لاسيما أنها هي أيضا التي تمنع أي تسليح نوعي للسوريين لتمكينهم من الدفاع عن أنفسهم.

حقا، هذا أمر يثير الريبة والتساؤلات، بشأن حقيقة ما يجري، وعليه، ربما لا يوجد تفسير لترك السوريين لحال التشرد والقتل ودمار العمران وتدخل إيران وروسيا وحزب الله وكتائب أبوالفضل العباس من العراق، وترك داعش وشبيهاته تسرح وتمرح، سوى أن ذلك يمثل مصلحة لوجود إسرائيل، وهذا يشمل حال العراق أيضا.

المعنى من ذلك أن خراب المشرق العربي، وتصديع وحدة مجتمعاته، وخلخلة كتله البشرية، هي الغرض، أوالمطلوب، لأن هذا الوضع هو الذي يجعل من إسرائيل الدولة الأكثر ثباتا واستقرارا واطمئنانا في المنطقة، ويجعلها في محيط آمن ورخو وضعيف من كل النواحي، إذ لا تعود ثمة تهديدات آنية أو محتملة ربما لعقود، وربما أن هذه هي القطبة المخفية، التي لا يريد أحد الكشف عنها صراحة، في القضية السورية وفي المواقف الأميركية والروسية، فلو كانت الخارطة السورية في مكان آخر، أو لو لم تكن إسرائيل، لاختلف الأمر تماما، على الأرجح.

شاهدنا في ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية هي أكثر دولة دعمت إسرائيل سياسيا وعسكريا وماليا وتكنولوجيا، وأن روسيا شكلت أكبر خزان لدعم الهجرة اليهودية، ففي التسعينات فقط هاجر منها حوالي مليون يهودي إلى إسرائيل، وهاهي تشتغل على تهجير السوريين، لتقدم خدمة كبيرة لإسرائيل، بينما إيران نجحت في شق مجتمعات المشرق العربي على أساس طائفي مذهبي وهو الأمر الذي عجزت عنه إسرائيل منذ سبعة عقود، ما يعتبر أكبر خدمة لإسرائيل، ربما، في تاريخها.

ولا ننسى أن إيران كانت، من الناحية الفعلية، بمثابة أكبر شريك سياسي في المنطقة للولايات المتحدة، منذ إسقاط نظام صدام، وتمكينها من الهيمنة على العراق، عبر ميليشياتها المسلحة، ومع غض النظر عن تدخلاتها في سوريا، ومع ما شهدناه من طول نفس الولايات المتحدة، وحكومات العالم، في التعامل بصبر ودبلوماسية مع قصة الملف النووي الإيراني، وهو ما لم يحدث لا مع العراق ولا مع غيره.

ليس القصد من كل ذلك تحميل كل مشكلاتنا على الخارج، أو على إسرائيل، لأن العوامل الذاتية، وضمنها ضعف قيام الدولة، كدولة مؤسسات وقانون، وتعذر قيام مجتمعات المواطنين الأحرار المتساوين، في واقع سادت فيه النظم الاستبدادية، في معظم بلداننا، هو السبب في كل ما يجري وضمنه انكشاف أحوالنا، لكن الكلام هنا يتعلق خصوصا بالوضع السوري، وكمحاولة في تفسير ما يحصل وتفسير هذا الخذلان للسوريين، الذي ينم عن انحطاط في قيم العالم، وعن مراوغة الادعاء بحقوق الإنسان والحرية والكرامة والديمقراطية من قبل دول كبرى.

*نقلاً عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.