.
.
.
.

الداخل.. سلاحنا الأمضى

إكرام اليعقوب

نشر في: آخر تحديث:

خمس سنوات مضت فقد الكون فيها عقله وانتظامه، فمنذ أن بعثرتنا لعنة التغيير المشؤومة وقلوبنا تفجع كل يوم بجنونٍ جديد يزداد سوءاً وغرابة. المجتمع الدولي يراهن على أن تأجيج الصراع في العالم كفيل بأن يخمد من تلقاء نفسه، كالنار التي تضرم نفسها وتبرد في حضن الرماد أو إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هكذا استطاع العالم طمأنتنا بأن للعبة الكبار منطقاً، ذهبت حصيلتها عشرات الآلاف من الأرواح في سوريا منذ شهر مارس 2011، وإصابة مليوني شخص بإعاقات دائمة، وتشريد 11 مليون لاجئ منهم حول العالم، في كارثة هي الأسوأ والأخطر إنسانياً منذ الحرب العالمية الثانية.

كيف لنا أن نتجرأ على لوم هذا الكون ونحن نعي أن ما يجتاح العالم من جنون هو نتاج ثقافة متنكرة لمبادئها تؤمن بأن الحياة معترك للصراع الأزلي باختلاف مسمياته، وتتباهى بأن عرس العداء والكراهية قادر على زف آلاف الشباب يومياً نحو طريق الموت.

حالة الجنون التي تكتنف العالم برمته أضعفت الأخذ بنظرية صامويل هانتينغتون، التي نشرتها صحيفة "الفورن بولسي" منذ عشرين عاماً، وتنبأت بتحول الكرة الأرضية لكرة من اللهب التي يشعلها "صدام الحضارات". فالساحة الدولية قائمة على التحالفات بشكل رئيسي، فترى المواقف الأميركية تساند الأوروبية رغم كل المنافسات الاقتصادية في الماضي، يتّحدون في نهاية المطاف باسم الشراكة الاستراتيجية. ورغم كل شيء، تبقى أوروبا الأنثى الأنيقة المحببة للأميركيين. وتأكدنا أيضاً في نهاية مطاف التراشق العدائي بين إيران والغرب أن النفور الأميركي الإيراني اتخذ صيغة ألطف، بغض النظر عن الأسباب، هم الآن يلتقون ويتصافحون ويتوددون حول طاولة المفاوضات. وفي الحروب أيضاً، تتحالف الدول فيما بينها لتحقيق أهداف عالمية مشتركة. العالم مع كل جنونه تجاوز عصر التتار والمغول بمراحل.

منطق الصدام يفنّد أيضا قدرة تأثير هجمات الجماعات الإرهابية على تعكير صفو الأجواء الدولية، لأن أفعالهم تدل على أمراض فردية لا ترقى لتمثيل الدين أو الوطن. غير أن ما يحدث تماماً اليوم هو صراع من داخل الفراغ المهمش للحضارات وليس فيما بينها، ولعل الحرب الأهلية السورية قادرة على إيضاح هذه الصورة المشوشة أكثر.

لنترك جانباً آلاف القصص ونقترب قليلاً من نقاط أكثر شفافية وحيادية. دول المنطقة تعطينا اليوم مثالاً على استيعاب هذا الصراع وتداركه من خلال الأدوار التي تقودها لرفع مستوى الوعي العام لمخاطر هذا الانزلاق الفكري الذي جر خلفه الكثير من الحسرات، فأسست الإمارات مركز صواب لمراقبة المحتوى المعادي على الإنترنت والتصدي لمشكلة التطرف التي تستغل الشبكة العنقودية للترويج لجرائمها، فيما تبنت السعودية منهج المناصحة لوقت طويل جداً قبل تنفيذها أخيراً لأحكام القصاص بحق المجرمين.

هذه الجهود لتضييق الفجوة الفكرية ولإصلاح الداخل تبعتها مبادرات جوهرية، فكانت على رأسها مهمة تغيير العمق الداخلي من خلال تقوية قدرات الشباب وتنميتها، يتبعها زرع منهج التسامح والقدرة على الصفح، ومن ثم تحصيل السعادة التي أصبحت جميعها قرارات ومناصب وزارية جديدة تتباهى بها دولة الإمارات.

ففي العاشر من فبراير الحالي، أقرت حكومة الإمارات أكبر تغييرات هيكلية في تاريخها شملت قفزات نوعية تعنى بتفعيل دور الشباب وانخراطهم بالمجتمع، والتي كان تعيين أصغر وزيرة في العالم تتسلم حقيبة الشباب وتتحدث بصوتهم أقوى دليل على هذا الترحيب الحفي. فدولة فتية كالإمارات تدرك أن نعمة الشباب سرعان ما تنضب كأي مرحلة وقتية أخرى من مراحل حياة الإنسان تتلاشى بسرعة البرق، كطيف النسيم البارد الذي سرعان ما تلتهمه لفحات الصيف الحارة. هذه الفترة بالتحديد قادرة على تشكيل قدرات الإنسان وتهيئته لخوض ذلك المعترك الفكري، وهي وحدها من تستطيع توجيه عقل الإنسان لحسن الاختيار وتدارك الإخفاقات والمسارعة بالحلول، لا أن يكون كبش الفداء.


العقل هو ثروة البشرية النابضة التي تتشكل بدقة من الداخل الإنساني، تنمو وتقوى وتتفاعل في مرحلة شابة، وتستعد للوقوف مع الإنسان أو خذلانه بقدر العطاء. فمتى ما استطعنا تهذيب هذه الثقافة وتقويتها أصبحت أكثر وعياً وثقة لتقديم نفسها بالشكل اللائق، وأصبحت أيضا قادرة على الترفع عن المهاترات ورفضها.

هذه الشخصية هي وحدها القادرة على الصفح والعفو والتجاوز في أحنك الظروف، وهي وحدها من يستطيع فرض الحلول، ووقف هذا العنف الهستيري، وإعادة العقل لهذا الكون المجنون وإسعاده.

*إكرام اليعقوب، كاتبة سعودية

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.