.
.
.
.

الجزء الثانى من الاستعمار

أحمد المسلماني

نشر في: آخر تحديث:

طيلة العصر الحديث.. وفى كلِّ حقبة الاستعمار الأوروبى.. كان الاعتقاد السائد لدى عموم المسلمين.. أن العدو هو الاستعمار.. وأنّهُ بذلك عدوّ خارجى للدين والدنيا.. جاء من الخارج وينبغى أن يعود إليه.

ولم تكن فكرة العدو الداخلى -ديناً أو وطناً- مطروحةً على العقل السياسى العربى أو الفكر السياسى فى الدول الإسلامية إزاء تفرُّد الاستعمار البغيض بوصف «العدّو».

رحل الاستعمار.. وترك الجزء الثانى منه.. ثم بدأ تغذية الجزء الثانى من الخارج.. حتى بات الجزء الثانى من الاستعمار أكثر خطورة من الجزء الأول منه.. وأصبح «التطرف الدينى» هو الجزء الثانى للاستعمار.. بعد الجزء الأول متمثلاً فى الاستعمار الأوروبى.

(1)

كان الجزء الأول من الاستعمار أكثر وضوحاً، ومن ثم كانت مواجهته أكثر سهولة.. ذلك أن التعبئة أمام عدو خارجى هى تعبئة يسيرة إذا ما قورنت بالتعبئة أمام عدوٍّ داخلى.

قام الاستعمار الخارجى بدراسة خلفائه فى الاستعمار الداخلى على نحو جيّد. ثمّة مستشرقون وباحثون بارعون درسوا الإسلام ومذاهبه وفِرَقَه وشيوخه.. كما أنهم درسوا معاركه على مستوى الجغرافيا، ومعاركه على مستوى التاريخ، وأصبح بإمكانهم اللعب المحترف بالعقول والأفكار.

لقد ساهم الاستعمار فى إحياء الفتاوى الضالة، وفقه الدماء.. وجمعوا من آلاف الكتب كل ما يمكن أن يكون تخريباً للأمة ونهايةً لها. ولقد انتهت أعمالهم البحثية هذه إلى أوراق عديدة.. تحمل كل ما هو فاسدٌ ومتطرفٌ.. وكل ما هو إجرامىّ ودموى فى تاريخنا.. ثم إنهم وضعوا ذلك فى كتبٍ وبحوثٍ لرجال دين ودنيا من المسلمين.. لم يكن لهم من البحث شىء سوى ترديد ما يقول باحثو الاستعمار، ومجرمو الغرب.

(2)

لقد تاهتْ تلك المسافة الغامضة وتلك الرُّدهات المتشعِّبة.. بين الجهود البحثية المُضِلَّة للجزء الأول من الاستعمار.. وذلك الإنتاج المتطرف الضالّ.. من الفتوى والخطابة لدى الجزء الثانى من الاستعمار. ومن الصعب على المرء أن يربط على نحو دقيق بين صوْت التطرف الذى انطلق من الاستعمار الخارجى وبين صَدَاهُ الذى ردّده الاستعمار الداخلى.

ولقد تجدّد الصوت ليواكب العصر على نحو مذهل، ومضى وراءه الصدّى عابثاً وصارخاً.. بلا حدود. فكان أن أصبحتْ شبكة المعلومات الدولية «الإنترنت» ساحةً مثالية لعمل المتطرفين.. وأصبحت بعض فتاوى المجرمين هى الأكثرُ انتشاراً ووجوداً.. والأعلى نتائج على محركات البحث. وإذا كان المرء حديث عهدٍ بالإسلام الحنيف.. وإذا ما اتجه لمعرفة أمور دينه عبر «جوجل».. ومضى يبحِرُ فى المواقع والمنتديات واحداً تلو الآخر.. فإنه لن يجد أمامه -فى أغلب الأحوال- إلا أفكار المتطرفين.. ومقاطع المجرمين.. وكلها تحمل أعلى درجات الثناء والمديح.. فهذا شيخ الجهاد، وهذا علاّمة العصْر.. وذلك أعلم أهل الأرض.. وهذا وجهٌ من وجوه الجنة.. وهؤلاء فتيةٌ آمنوا بربهم.. وأولئك من حزب الله.. وهم الفائزون.. وتلك جُند الله.. وهذه خلافته.. وهؤلاء سائرون على منهاج النبوة!

إنها عباراتُ مديحٍ وإطراءٍ مذهلة.. ومعها عبارات ذمٍّ وقدحٍ مذهلةٌ أيضاً فى وصف كل من ليس معهم.. فهذا الكافر المرتد، وهذا الهالِك المقبور.. وهؤلاء أنصار الشيطان.. وأولئك عملاء الصهيونية العالمية.. وتلكمُ أعداء الإسلام.

(3)

ما الذى يمكن أن يفعله أولئك المسلمون الجُدد.. إذا ما اتجهوا إلى «جوجل» لمعرفة أحكام دينهم.. وحالة إخوانهم فى الدين الجديد؟. إنها مأساة كبرى.. أن يصبح عموم ما فى الإنترنت متطرفاً.. وأن ينال وأن يصب «الإنترنت» جامَ غضبه على الوسطيين والأخلاقيين.. المسلمين!

يجب أن نعترف.. أن أُمَّتنا قد انتصرتْ فى الحرب على الجزء الأول من الاستعمار.. ولكنها تبدو أكثر وهْناً وضعفاً أمام الجزء الثانى منه. ولقد كان الاستعمار ماكراً حين وفّر على نفسه قتلاه.. فى معارك النضال ضد جيوشه.. وجعل بالجزء الثانى كل القتلى من بلاد المستعمرات السابقة.. حفظ دماء جنوده ومواطنيه.. ليصبح بحر الدماء جارياً فى بلادنا دون سائر العالمين.

(4)

كم هى صعبةٌ الحرب على التطرف والإرهاب.. على حركات الإسلام السياسى الدموية التى ترفع راية الإسلام.. وهى تحمل فى قلبها راية الاستعمار.

كم هى صعبةٌ الحرب على الجزء الثانى من الاستعمار.. الذى نجح فى التقسيم والتفكيك.. وفى حشد النعوش والخيام.. شهداءَ ولاجئين.. ليصبح المسلمون أمة بلا وطن.. ووطناً بلا أمة.. ولتمتدّ جغرافيا العالم الإسلامى من الدماء إلى الدماء.

لقد أحسن الدكتور أحمد زويل حين طالب -قبل سنوات- بإطلاق «الجهاد الحضارى».. ذلك أن الحرب على الاستعمار بكل أجزائه.. هى حربٌ حضارية.

فى المعارك الكبرى.. الأغبياء والعملاء سواء.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.